كتاب فصول الأصول
الجزء ١ · صفحة ٥٧٧كتاب فصول الأصول =
تتمة
أول الواجبات معرفة الله سبحانه وتعالى، هي الأساس وعليها ينبني سائر التكليفات، وقيل: أول الواجبات النظر المؤدي إليها، وقيل: أول النظر لتوقف النظر على أول أجزائه، وقيل: قصد النظر لتوقف النظر على قصده، وإذا عرفت ذلك فاعلم أن من علت به همته وطابت طويته يربأ بنفسه عن سفاسف الأمور ودنياتها من الأخلاق المذمومة كالكبر والغضب والحقد والحسد وسوء الخلق وقلة الاحتمال والطيش والفخر والخيلاء والعجب والاحتقار للغير أو التعاظم في نفسه والظلم لغيره ونحوها، ويجنح بها إلى معالي الأمور من الأخلاق المحمودة كالتواضع والصبر وسلامة الباطن والزهد وحسن الخلق وكثرة الاحتمال، فهذه ونحوها دليل على علو همة الرجل كما قال -صلى الله عليه وسلم-: إن الله تعالى يحب معالي الأمور، ويكره سفاسفها (1)، ومن عرف ربه فخاف عقابه ورجاً ثوابه وأصغى إلى أوامره ونواهيه، فامتثل مأموراته واجتنب منهياته، وسارع جهده إلى مندوباته، أحبه مولاه، وقربه وأدناه، فكان سمعه وبصره ورجله التي بها يمشي ويده التي بها يبطش، فإن استعاذه عاذه وإن استنصره نصره، وإن سأله أعطاه، وإن استهداه هداه فطوبى لعبد عرف مولاه فأطاعه فيما أمره ونهاه ورفض هواه وأثر آخرته على دنياه، وترك ما يحبه لما يخشاه، وشكر نعماه وصبر على بلواه، وأجهد نفسه في طاعته ورضاه، وراضها بصنوف عبادته وتقواه، ورحم الله عبداً سمع حكماً، فوعى ودعي إلى حق فدنا، وأخذ بحجزة هاد فنجا، راقب ربه، وخاف ذنبه قدم خالصاً، وعمل صالحاً، وكسب مذخوراً، واجتنب محذوراً، رمى غرضاً فأحرز عوضاً، كابر هواه، وكذب مناه، جعل الصبر مطية نجاته والتقوى عدة وفاته، ركب الطريقة الغراء، ولزم المحجة البيضاء اغتنم المهل وبادر الأجل، وتزود خير العمل، وقصر الأمل، وتورع عن المحارم، واجتنب مظان الظلم والمآثم، فلم يخش إلا الله، ولم يراقب أحداً سواه.
هذا آخر ما يسر الله لنا، ومن به علينا من تصنيف هذا الكتاب المسمى بفصول الأصول في أصول الفقه، نسأل الله أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن يتلقاه بالقبول، فهو ولينا وحافظنا فيما نعمل ونقول، وهو حسبنا ونعم الوكيل ونعم المولى ونعم النصير، والحمد لله
(1) الحديث أورده علاء الدين الهندي بلفظ إن الله يحب معالي الأخلاق، ويكره سفاسفها. الهندي (كنز العمال) حديث 5180 جـ 3 ص 10.