الحياة العلمية في جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ٥٨أ) جبل نفوسة والدولة الرستمية:
لم تشهد منطقة المغرب الأوسط قيام دول مستقلة عن المركز بالمشرق الإسلامي إلا بعد قيام الدولة العباسية، فبعد هزيمة الإباضيين بتاورغاء سنة (144 - / 762 م)، وبمقتل أبي الخطاب تراجع عبد الرحمن بن رستم إلى منطقة
المغرب الأوسط وهناك أقام الدولة الرستمية سنة (160/ 778 م) (1)
ه
وكانت عاصمتها تاهرت (2)، وحول تأسيسها أشار الدرجيني إلي ذلك قائلاً: "إن جماعة أهل الدعوة اتفقوا على أن ينتخبوا موضعاً يبنون فيه مدينة تكون حصناً لهم، فأرسلوا رجالاً من ذوي المعرفة، وفرقوهم في الجهات يتخيرون لما مكانا يصلح حاولوه، ورجعوا وقد وقع اختيارهم على تاهرت فدلوهم عليها، فاتفق جمهورهم مع أهل تاهرت القديمة على شيئ معلوم يأخذونه على غلتها، وقد كانت قبل ذلك رياضاً لا عمارة فيها إلا السباع والهوام
سمح
(3)
وتشير المصادر الجغرافية إلي الميزات الطبيعية التي تتمتع بما مدينة تاهرت مما
لها القيام بأنشطة اقتصادية هامة، ومنها على سبيل المثال: اعتدال مناخها ووفرة المياه وخصبة التربة والأمر الثاني وقوعها على مفترق الطرق التجارية التي تربط الشمال بالجنوب والشرق بالغرب. فعلى المستوى الأول كانت تاهرت تتمتع بوفرة المياه فهى واقعة " على غير يأتيها من جهة القبلة وكر آخر يجري من
(1) الوارجلاني، المصدر السابق، ورقة 15
(2) تيهرت مدينة جزائرية، وهي اسم لمدينتين متقابلتين يقال لإحدهما تاهرت القديمة، وللأخرى المحدثة وهـ مسورة ولها أربعة أبواب اتخذها الرستميون عاصمة لدولتهم، وكان لها دور ثقافي وتجاري كبير لموقعها المميز حيث تتوسط الطرق العابرة للصحراء مما مكنها من الثراء، ينظر: الإدريسي، المصدر السابق، ج 1، ص 256؛ جاك تيري، المرجع السابق، ص 210 – 211.
(3). الدرجيني، طبقات المشائخ بالمغرب، ج 1، تحقيق: إبراهيم طلاى قسنطينة: مطبعة البعث، 1974، ص 41.
46