أدب القضاء في الإسلام
الجزء ١ · صفحة ١٤٢أدب القضاء في الإسلام
141
الْإِنْصَافِ وَ الرِّفْقِ، وَ مِنْهَا أَهْلُ الْجِزْيَةِ وَ الْخَرَاجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَ مُسْلِمَةِ النَّاسِ، وَمِنْهَا التُجَّارُ وَ أَهْلُ الصَّنَاعَاتِ، وَ مِنْهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ ذَوِي الْحَاجَاتِ وَالْمُسْكَنَةِ، وَكُلُّ قَدْ سَمَّى اللَّهُ لَهُ سَهْمَهُ وَ وَضَعَ عَلَى حَدِهِ وَ فَرِيضَتِهِ؛ فِي كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم عَهْداً مِنْهُ عِنْدَنَا مَحْفُوظاً.
فَالْجُنُودُ بِإِذْنِ اللَّهِ حُصُونُ الرَّعِيَّةِ وَ زَيْنُ الْوُلاةِ وَ عِزُّ الدِّينِ وَ سُبُلُ الْأَمْنِ، وَلَيْسَ تَقُومُ الرَّعِيَّةُ إِلا بِهِمْ ثُمَّ لَا قِوَامَ لِلْجُنُودِ إِلا بِمَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْخَرَاحِ الَّذِي يَقْوَوْنَ بِهِ عَلَى جِهَادِ عَدُوِّهِمْ وَ يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ فِيمَا يُصْلِحُهُمْ، وَ
يَكُونُ مِنْ وَرَاءِ حَاجَتِهِمْ. ثُمَّ لاَ قِوَامَ لِهَذَيْنِ الصَّنْفَيْنِ إِلا بِالصِنْفِ الثَّالِثِ مِنَ الْقُضَاةِ وَ الْعُمَّالِ وَالْكُتَّابِ لِمَا يُحْكِمُونَ مِنَ الْمَعَاقِدِ وَ يَجْمَعُونَ مِنَ الْمَنَافِعِ وَيُؤْتَمَنُونَ عَلَيْهِ مِنْ خَوَاصِ الْأُمُورِ وَ عَوَامِهَا، وَ لَا قِوَامَ لَهُمْ جَمِيعاً إِلا بِالتُّجَّارِ وَ ذَوِي الصَّنَاعَاتِ فِيمَا يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ مِنْ مَرَافِقِهِمْ وَ يُقِيمُونَهُ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ وَ يَكْفُونَهُمْ مِنَ التَّرَفُقِ بِأَيْدِيهِمْ؛ مِمَّا مَا لَا يَبْلُغُهُ رِفْقُ
غَيْرِهِمْ
ثُمَّ الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ الَّذِينَ يَحِقُ رِفْدُهُمْ وَمَعُونَتُهُمْ، وَ فِي اللَّهِ لِكُلّ سَعَةٌ، وَلِكُحٍ عَلَى الْوَالِي حَقٌّ بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُهُ، وَ لَيْسَ يَخْرُجُ الْوَالِي مِنْ حَقِيقَةِ مَا أَلْزَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بِالاهْتِمَامِ وَ الاِسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ وَ تَوْطِينِ نَفْسِهِ عَلَى لُزُومٍ اَلْحَقِّ وَ الصَّبْرِ عَلَيْهِ فِيمَا خَفَّ عَلَيْهِ أَوْ ثَقُلَ. فَوَلِ مِنْ جُنُودِكَ أَنْصَحَهُمْ فِي نَفْسِكَ؛ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَلِإِمَامِكَ أَنْقَاهُمْ جَيْباً وَأَفْضَلَهُمْ حِلْماً؛ مِمَّنْ يُبْطِئُ عَنِ الْغَضَبِ، وَيَسْتَرِيحُ إِلَى الْعُشْرِ، وَيَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ وَيَنْبُو عَلَى الْأَقْوِيَاءِ، مِمَّنْ لاَ يُثِيرُهُ الْعُنْفُ وَلَا يَقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ.
ثُمَّ الْصَقْ بِذَوِي الْمُرُوآتِ وَالْأَحْسَابِ وَأَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ وَالسَّوَابِقِ الْحَسَنَةِ؛ أَهْلِ النَّجْدَةِ وَالشَّجَاعَةِ وَ السَّخَاءِ وَ السَّمَاحَةِ؛ فَإِنَّهُمْ جِمَاعُ الْكَرَمِ وَ شُعَبُ الْعُرْفِ. ثُمَّ تَفَقَّدْ مِنْ أُمُورِهِمْ مَا يَتَفَقَّدُ الْوَالِدَانِ مِنْ وَلَدِهِمَا، وَلَا يَتَفَاقَمَنَّ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ قَوَّيْتَهُمْ بِهِ، وَلَا تَحْقِرَنَّ لُطْفاً تَعَاهَدتَهُمْ بِهِ وَإِنْ قَلَّ، فَإِنَّهُ دَاعِيَةٌ لَهُمْ إِلَى بَذْلِ النَّصِيحَةِ