أدب القضاء في الإسلام
الجزء ١ · صفحة ١٤٣142
أدب القضاء في الإسلام
لَكَ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِكَ، وَلا تَدَعْ تَفَقُدَ لَطِيفِ أُمُورِهِمُ اتِّكَالاً عَلَى جَسِيمِهَا فَإِنَّ لِلْيَسِيرِ مِنْ لُطْفِكَ مَوْضِعاً يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَلِلْجَسِيمِ مَوْقِعاً لَا يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ.
وَلْيَكُنْ آثَرُ رُءُوسِ جُنْدِكَ عِنْدَكَ مَنْ وَاسَاهُمْ فِي مَعُونَتِهِ، وَأَفْضَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ جِدَتِهِ بِمَا يَسَعُهُمْ وَيَسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ خُلُوفِ أَهْلِهِمْ حَتَّى يَكُونَ هَمُّهُمْ هَمَا وَاحِداً فِي جِهَادِ الْعَدُقِ فَإِنَّ عَطْفَكَ عَلَيْهِمْ يَعْطِفُ قُلُوبَهُمْ عَلَيْكَ.
وَإِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ عَيْنِ الْوُلاةِ اسْتِقَامَةُ الْعَدْلِ فِي الْبِلادِ وَ ظُهُورٍ مَوَدَّةِ الرَّعِيَّةِ، وَإِنَّهُ لَا تَظْهَرُ مَوَدَّتُهُمْ إِلا بِسَلامَةِ صُدُورِهِمْ، وَ لاَ تَصِحُ نَصِيحَهُمْ إِلَّا بِحِيطَتِهِمْ عَلَى وُلاةِ أُمُورِهِمْ، وَ قِلَّةِ اسْتَثْقَالِ دُوَلِهِمْ، وَ تَرْكِ اسْتِبْطَاءِ انْقِطَاعِ مُدَّتِهِمْ، فَافْسَحُ فِي آمَالِهِمْ وَ وَاصِلْ فِي حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، وَ تَعْدِيدِ مَا أَبْلَى ذَوُو الْبَلاءِ مِنْهُمْ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الذِّكْرِ لِحُسْنِ فِعَالِهِمْ تَهُزُ الشُّجَاعَ وَ تُحَرِّضُ الجَبَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
"1
ثُمَّ اعْرِفْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا أَبْلَى وَ لَا تُضيفنَّ بَلاءَ امْرِئٍ إِلَى غَيْرِهِ وَ لَا تُقَصِرَنَّ بِهِ دُونَ غَايَةِ بَلائِهِ، وَ لَا يَدْعُوَنَّكَ شَرَفُ امْرِئٍ إِلَى أَنْ تُعْظِمَ مِنْ بَلاَئِهِ مَا كَانَ صَغِيرًا وَ لَا ضَعَةُ امْرِئٍ إِلَى أَنْ تَسْتَصْغِرَ مِنْ بَلَائِهِ مَا كَانَ عَظِيماً، وَ أَرْدُدْ إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ مَا يُصْلِعُكَ مِنَ الْخُطُوبِ وَ يَشْتَبِهُ عَلَيْكَ مِنَ الْأُمُورِ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِقَوْمٍ أَحَبَّ إِرْشَادَهُمْ "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ فَالرَّدُّ إِلَى اللَّهِ الْأَخْذُ بِمُحْكَمِ كِتَابِهِ وَ الرَّدُّ إِلَى الرَّسُولِ الْأَخْذُ بِسُنَّتِهِ الْجَامِعَةِ غَيْرِ الْمُفَرِّقَةِ. ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ مِمَّنْ لَا تَضِيقُ بِهِ الْأُمُورُ وَ لَا تُمَحِكُهُ الْخُصُومُ، وَ لَا يَتَمَادَى فِي الزَّلَّةِ وَلَا يَحْصَرُ عن الْفَيْءِ إِلَى الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ، وَلَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَع وَ لَا يَكْتَفِي بِأَدْنَى فَهُمٍ دُونَ أَقْصَاهُ، أَوْقَفَهُمْ فِي الشُّيَاتِ وَ أَخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ وَ أَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ وَ أَصْبَرَهُمْ عَلَى تَكَشُفِ الْأُمُورِ وَ أَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّصَاحِ الْحُكْمِ، مِمَّنْ لاَ يَزْدَهِيهِ إِطْرَاءُ وَلاَ يَسْتَمِيلُهُ إِغْرَاءٌ، وَ أُولَئِكَ قَلِيلٌ. ثُمَّ أَكْثِرُ تَعَاهُدَ قَضَائِهِ وَافْسَحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ مَا يُزِيحُ يُزِيلُ عِلَّتَهُ وَتَقِلُ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ، وَأَعْطِهِ مِنَ الْمُنْزِلَةِ لَدَيْكَ مَا لَا يَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ خَاصَّتِكَ، لِيَأْمَنَ بِذَلِكَ اغْتِيَالَ