إضاءات حضارية من تراث الإباضية مهنا بن راشد بن حمد السعدي

إضاءات حضارية من تراث الإباضية

الجزء ١ · صفحة ١٣

إضاءات حضارية

13

للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق

وجدير بأن يعد في علومها وخليق. (1).

تلاحظ

من

خلال النص السابق أن ابن خلدون قسم التاريخ إلى ظاهر وباطن، ولعمري إنه أصاب كبد الحقيقة، فالظاهر هو الذي يتساوى في فهمه العالم والجاهل، إلا أن الغوص في أعماق التاريخ لا يتأتى إلا للباحث الدارس المتمرس وليس للهاوي، فالتاريخ ليس مجرد قصص نسرد، بل حقيقة التاريخ تكمن في استنباط الحقائق من خلال الأحداث ومن خلال الربط بين مختلف النصوص ومن خلال استنطاق الحروف، فالمؤرخ الحقيقي يرى في الحادثة ما لا يراه القاري العادي، فربما من خلال حادثة واحدة يسطر لك الصفحات الطوال من الحقائق والاستباطات، وهنا تكمن اللذة في علم التاريخ والتي لا يمكن أن يصل إليها القارى العادي الذي لا يمتلك آلة سبر أعماق النصوص.

ثم لمجد ابن خلدون يقول: " وإن فحول المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيام وجمعوها وسطروها في صفحات الدفاتر وأودعوها، وخلطها المتطفلون بدسائس من الباطل وهموا فيها أو ابتدعوها، وزخارف من الروايات المضعفة لفقوها ووضعوها، واقتفى تلك الآثار الكثير ممن بعدهم واتبعوها. وأدوها إلينا كما سمعوها، ولم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال، ولم يراعوها، ولا رفضوا ترهات الأحاديث ولا دفعوها، فالتحقيق قليل وطرف التنقيح في الغالب كليل، والغلط والوهم نسيب للأخبار وخليل، والتقليد عريق في الآدميين وسليل، والتطفل على الفنون عريض وطويل، ومرعى الجهل بين الأنام وخيم وبيل. لمجد ابن خلدون وضع لنا هنا أهم قاعدة ينبغي أن يضعها نصب عينيه كل من أراد التصدي لعلم التاريخ، ألا وهي التحقيق وترك التقليد، وإعمال العقل في النص، وعدم تلقيه على علاقه وهناته، وكذلك - وهذه نقطة مهمة - عدم إخراجه من إطاره الزمني.

(T).

فكثير من النصوص خاصة التاريخية بها الغث والسمين ممزوجان معا، فيجب على الباحث اللبيب تجريد الغث من السمين، والتمييز بينهما، إذ النصوص التاريخية لم تسلم من أيدي العابثين

(')

عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، تاريخ ابن خلدون، موقع نداء الإيمان) www.al-eman.com) ، 1/2 . اين خلدون، مصدر سابق، 1/ 2