إضاءات حضارية من تراث الإباضية
الجزء ١ · صفحة ١٤١إضاءات حضارية
وقال الشيخ سليمان باشا الباروني (ت: 1359 هـ / 1940 م) في رثائها (1): قفا نبك أطلالا تقلص ظلها و نندب آثار الذين بقوا ذكرا بني رستم من قام بالعدل ملكهم فامست هم تيهرت كالروضة الزهرا
هذه
تحف بها الأنهار والزهر باسم
أقاموا منار الدين دهرا وشيدوا
بروض بساتين هي الجنة الخضرا
معالمه و استسهلوا البر والبحرا
141
هي الدولة الرستمية الإسلامية، والتي للأسف الشديد تجاهلها الكثير من المؤرخين والكتاب القدماء أو المحدثين، وقد يذكرها البعض بقصد التجني عليها وتشويهها، والتعتيم على الإنجازات العظيمة التي حققتها خدمة للأمة الإسلامية، وكل هذا يعود إلى الأهواء السياسية، والتعصبات المذهبية المقيتة التي عادت على هذه الأمة بالشر والوبال، بالرغم من أن الدولة الرستمية أظلت بظلها الوارف مختلف المذاهب الإسلامية بل والديانات الأخرى، فكانت حقوقهم محفوظة وكرامتهم مصانة
ومن أمثال هؤلاء المؤرخين الذين ظلموا الدولة الرستمية، وكان حري بأمثالهم الإنصاف: ابن عبد الحكم (ت: 257 هـ / 888 م صاحب كتاب (فتوح مصر والمغرب والأندلس)، والبلاذري (ت: 279 هـ / 892 م (صاحب كتاب (فتوح البلدان)، وحق ابن خلدون الذي شهد له بالموضوعية لم يسلم من ذلك (2). فعسى أن تكون هذه الأجيال الإسلامية المباركة في هذا الوقت قد أدركت هذه الحقيقة المرة، وأدركت أن ما يعانيه المسلمون اليوم من ذل ومهانة وصغار على أيدي أعداء الأمة الإسلامية، يعود في المقام الأول إلى المسلمين أنفسهم، بسبب اشتغالهم بالتعصبات المذهبية والتشنيع على إخوانهم غير مذاهبهم، مما أدى إلى إيغار الصدور، وتفتت العلاقات بين المسلمين، ففتح الباب على مصراعيه أمام أعداء الأمة ليعيثوا في جسدها فسادا، بعد أن أنهكه أبناؤها بصراعاتهم العقيمة، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل وصل الأمر ببعض من ينسبون أنفسهم إلى الإسلام إذا
من
(1) القوادي: جمع غانية، والغانية: الصحابة التي تنثنا غنوة، وقيل: الغانية الصحابة تنشأ فتنظر غنوة، وقول: الثانية سحابة تنشأ صباح) (انظر: ابن منظور، لسان العرب، غدا). (1) انظر القصيدة كاملة في: الباروني، الأزهار: 305/ 2 - 206. (1) ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 6 مقدمة المحققين.