المدخل إلى تاريخ الإسلام في إفريقية مع دراسة للدور العماني
الجزء ١ · صفحة ٩٣إن موقع قرطاجنة جعلها منفذا لتجارة إفريقية مع حوض البحر المتوسط وأوروبا وكان دورها يتم بصورة أساسية في تجميع المواد الأولية في تلك المراكز في القيام بدور جديد في توزيعها. الأمر الذي دفع بحارتها إلى مسافات بعيدة لم يصلها بحارة الشرق الأدنى أو البحر المتوسط من قبل. ففى سبيل بحث تجارها عن الأسواق أندفعوا بجرأة ومغامرة في مياه المحيط الأطلسي. ففي أواسط القرن الخامس تمكن " جيملكن " من الإتجاه شمالا مع السواحل الأندلسية حتى وصل إلى الجزر البريطانية وواصل طريقه شمالا حتى وصل إلى أيرلندة نفسها. كما اندفع " حنون " إلى سواحل المحيط الأطلسي الجنوبية مصحوبا" بستين سفينة، ونزل في العديد من جزر الكناري والخالدات
(1)
لقد مكنت سلع إفريقية من الذهب والجلود والعاج والعنبر والعبيد بالإضافة إلى زيت الزيتون والحبوب أساسا اقتصاديا متينا للتجارة الفينيقية، وكان لابد للبحث عن أسواق تلاءم تلك الإمكانيات الجديدة، خاصة وأن أهلها أدركوا قمة تلك السلع في العالم القديم كما أنهم أصبحوا بين قونين اقتصاديين: الأولى تعتمد على تصدير صناعاتها وتقع في حوض البحر المتوسط، والثانية تعتمد على تصدير حاصلاتها من المواد الخام وهى إفريقية. ولذلك كانت الشعوب والقبائل الإفريقية ترغب في اقتناء الصناعات مثل الزجاج والمنسوجات والخرز أكثر من اقتنائها للعملة)
(2)
وقد انعكس هذا الوضع على هوية الحضارة الفينيقية حيث أصبحوا رجال تجارة واهتموا بكل ما يتصل بها من قريب أو بعيد وأهملوا بقية الجوانب الأخرى. فقد كانوا يحسنون عدة لغات ليس من أجل الثقافة بل من أجل التفاهم مع الشعوب، حتى أنهم لم يتركوا آثارا في الأدب والعلم (3)، واقتصروا في ميدان الفن على تقليد النماذج المصرية والإفريقية، بل جلبوا العديد من الفنانيين إلى مدنهم.
(3) جوليان، المرجع السابق، ص 122.
(2) ابن بطوطة، الرحلة، ص 654.
•
(3) وإن كانت الأبجدية الفينيقية هي التي سادت العالم السامي قبل أن تبعث الأبجدية اليونانية واللاتينية. ويبدو أن اختراع الفينيقيين للأبجدية راجع من تحدثهم بلغات عدة.
انظر: موسكاني، سبتينو، الحضارات السامية القديمة، ترجمة د. السيد يعقوب بكر، ص 121،
بيروت.
- 88 -