علوم السنة عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٤علوم السنة عند الإباضيه
المقدمة
الحمد لله المنعم علينا بشريعة الهدى، المتوّج لهذه النعمة بصاحب النطق الذي لا ينطق عن الهوى، ذي السُّنَّة الغراء العاصمة من الهوى، صلى الله وسلم عليه وآله أهل النهي، وعلى أصحابه والسالكين منهجه إلى يوم المُنتهي.
أما بعد، فإن السنّة النبوية تمثل المصدر الثاني للهداية والتشريع للأمة المسلمة، ولا عجب في ذلك إذ هي تمثل منهج المقتدى به وسلوكه لجميع أفراد الأمة، إذ أمروا بالاقتداء به وتتبع مسلكه لأنه مفتاح باب الهداية، ومشكاة نور طريق السعادة، ووسيلة تبليغ الحجة والرسالة، فجاءت عناية الأمة بسنته تلبية لهذه الحجة، وشكرا وعرفانا لهذه الكرامة والنعمة، ورغبة في نيل الهداية والرحمة، وثمة دافع آخر لهذه العناية، تمثل في تكفّل الله بحفظ الكتاب دون السنة، فقد ترك للأمة حفظها وصونها بجهدهم في مقصد متوج بالحكمة.
ولقد تنوعت طرق العناية بالسنة النبويه، فمن عناية بحفظها ونقلها وإدراك طرقها، وإسنادها، إلى عناية بفهمها وفقهها وإدراك ضبط متونها واستنباط أحكامها، فأثمرت هذه العناية مع تطوّرها عبر الزمن علوما تخصص كل علم في فن من فنون رواية السنة ودرايتها، وتسابقت فنون الرواية في تمحيص الأخبار وتدقيقها، وعني العلماء بتطوير هذه العلوم وتنميتها، وتوظيفها في خدمة السنة ونقدها وفهمها، ورأينا تنوع هذه العلوم يأخذ مسميات عدة، فمن فن نقد السند للرواية ومتنها، إلى العلوم التي تعنى بفنون السند وصناعتها، إلى العلوم التي تعنى بفنون المتون وفقهها.
هذا، ولما كان الحبيب المصطفى - صلى الله وسلم عليه وآله أهل الوفاء قدوة لكل منتسب إلى أمته، مصدق به وبما جاء به، فقد مثلت سنته مصدرهم جميعا وموردهم، وطريق هدايتهم ومحط نظرهم بكل فرقهم وطوائفهم، مع تنوع طرقهم إليه ومصادرهم عنه، فكان طبيعيا أن تسعى جميع فرق الأمة في طلب سنته، وتعرض ما تراه صح عندها من هديه. ومن بين فرق هذه الأمة الإباضية، وهي فرقة كان روادها الأوائل من التابعين