علوم السنة عند الإباضية أحمد بن يحيى بن أحمد الكندي

علوم السنة عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ٥

علوم السنة عند الإباضيه:

الرواة، وممن تلقوا عن مصدر نقل الرواية وهم الصحابة، واعتنى علماؤها وفقهاؤها بالسنّة رواية ودراية، وجعلوا ما صح من السنة مقصدهم وغاية مرامهم، في تصحيح الأقوال وترجيحها، وتحقيق المسائل وتوجيهها.

بيد أن ظروف نشأة هذه الجماعة أحاطتها بسياج من العزلة، فرجالها نحوا منحى الكتمان طلبا للسلامة وضمانا لنجاح دعوتهم، مما جعل غيرهم يجهلهم، بل ويظن الظنون بهم ويتهمهم. ولقد ظلت قلة الدراية والمعرفة بتراث أفراد هذه الفرقة عند غيره من أبناء الأمة ردحا طويلا من الزمن، فولد ذلك غموضا أحاط بهم، وضبابية في معاملة غيرهم لهم أو تعاملهم هم أنفسهم مع غيرهم. ويأتي هذا القصور في فهمهم نتيجة تقصيرهم أنفسهم في بيان ما عندهم والكشف عن تراثهم وفكرهم، فهم يتحملون تبعة الجهل بفكرهم وآرائهم، وكذلك يشاركهم هذه التبعة من ألصق بهم التهم جهلا، فزاد هذا السياج المحيط بفكرهم، ونفر من التقرب من تراثهم ودراسته والتعرف

عليهم.

وقد بدأت في عصر التفتح العلمي هذا دراسات جادة، لفهم هذه الفرقة ودراسة آرائها وتراثها وفكرها كغيرها من المدارس، هادفة إلى التقارب الفكري بين المسلمين، منطلقة من أنّ فهم الآخر وإدراكه يقربك منه، ويزيل الغشاوة العالقة

حوله، ومن ثم ينسج ذلك التقارب نسيج الترابط والتكامل والتراحم المنشود. غير أن هذه الدراسات انصبّت على جوانب دون أخرى، ومن هذه الجوانب التي لم تجد العناية موضوع علوم السنة عند هذه الفرقة، فلم يبحث هذا الموضوع، ولم يجد من يعتني به ويجليه ويبرزه، فلما رأيت ذلك القصور، جعلت تلافيه وإن في جانب منه أملا لي، وبيانه ومحاولة تجليته هدفا لأطروحتي، فإن أُوَفَّق في عرضه وبيانه فلله الحمد والمنة، وإلا فلعلي أفتح ولو بعض آفاقه، وأكشف للباحثين أهمية العناية به عل منهم من يكون فارس ميدانه، فيثني عليه عنان همته وثاقب فكره، ويعطف عليه جواد عزيمته، ويسرج له أفراس ميدانه.

هذا ولم أجد من تعرض قبلي لهذا الموضوع وبحثه. وما سبق من دراسات مقاربة له لم تعن بهذا الموضوع ومادته، بل عنيت بجوانب أخرى وإن دار بعضها