اللواح الخروصي سالم بن غسان حياته وشعره
الجزء ١ · صفحة ٩٣- VY-
1 - الرثاء:
أولاً: الاتجاه التقليدي
عرف الرثاء منذ أن سقي الإنسان كأس المنايا، فوقف ملتاعاً ومشدوها لرحيل عزيز، وعبر في شعره عن حزنه وأساه بمراث نفث فيها حرقة صدره ولوعة قلبه.
والرثاء «أكثر ما تكلم فيه الناس، لأنه لم يعر أحد من مصيبة بحميم، ذلك قضاء الله في خلقه، فكل تكلم؛ إما متعزياً، وإما معزياً وإما متصبراً محتسباً» (1). «وأصل العزاء الصبر، ثم اقتصر استعماله في الصبر على كارثة الموت، وأن يرضى من فقد عزيزاً بما فاجأه به القدر) والعزاء قريب من الرثاء، وإن كان مذهبه تهوين المصاب وبث السلوى والتأسي بالسلف الهالك).
وأبو حمزة ممن رثى وتلوع، وتألم وتفجع، فرثى المرأة أماً وزوجة وعزى أصدقاء فيها من حيث كونها أماً وزوجة وبنتاً لهم، ورثى الرجل ابناً وقريباً وعزيزاً، كما رثى بعضاً من أجزاء جسمه، وبالرغم من قول ابن رشيق إن أصعب الشعر الرثاء، لأنه لا يعمل رغبة ولا رهبة» (4). إلا أننا وجدنا أبا حمزة قد أكثر في ديوانه المراثي، فقلما يوجد علم بارز في عصره أو صديق له، إلا وقد عزاء في عزيز له أو رثاه بقصيدة أو أكثر، وهو القائل (ه):
لقد أكثرت في الترب المراثي فمن لي إن لحقت الترب راثي
وبالرغم من رواية ابن قتيبة التي توحي أن المدائح أكثر جودة من المراثي في الأصحاب إذ قال: «قال أحمد بن يوسف الكاتب لأبي يعقوب الخزيمي: مدائحك لمحمد بن منصور بن زياد، - يعني كاتب البرامكة- أشعر من مراثيك فيه وأجود، فقال: كنا يومئذ تعمل على الرجاء، ونحن اليوم نعمل على الوفاء، وبينهما بون بعيد» (6).
وبالرغم مما توحيه هذه العبارة - وهي لناقد قديم - فإننا لا نجدها تنطبق على مراثي أبي حمزة، فقد أبدع في مراثيه الخاصة والعامة على حسب تقسيمنا لها لا سيما مراثي العلماء،
-
(1) محمد بن يزيد المبرد، التعازي والمرائي، مطبعة زيد بن ثابت، دمشق سوريا، 1976 م، تحقيق محمد الديباجي ص 4.
(2) مجموعة من الأدباء، الرثاء: سلسلة فنون الأدب، إصدار دار المعارف بمصر، ص 86. (3) أحمد الشايب، الأسلوب، ط مكتبة النهضة المصرية القاهرة 1990 م، ص 87. (4) الحسن بن رشيق القيرواني، العمدة، الطبعة الأولى، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 1988 م، 251/ 1. (5) الديوان 295/ 2.
(6) عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري: الشعر والشعراء، ط 2 دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان،
1985 م،
ص