كتاب السير أحمد بن سعيد أبي عثمان بن عبد الواحد الشماخي أبو العباس (بدر الدين)

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٣٩

وجماعة المؤمنين اتفقوا ان يتخيروا موضعاً يبنون فيه مدينةً لتكون حرزا وحصناً للاسلام فارسلوا الرواد فطافوا اطراف تلك البلاد فاستحسنوا موضع تيهرت فاتفق رأى المسلمين على بنائها فجعلوا لاهلها عليها خراجاً معلوماً ياخذونه من غلتها فامروا مناديا فنادى باعلا صوته من بها من الوحوش أن أخرجوا وارتحلوا فانا مريدون عمارتها ونازلون بها واجعلوا ثلاثة ايام، قال ابو زكريا وذكروا انهم رأوا بها وحشا تحمل اولادها في افواهها يعني سباعاً والله اعلم وهى خارجة من تلك الاشجار والغياطل فرغبهم ذلك فيها وزادهم بصيرة في عمارتها فلما تم الاجل ارسلوا فيها نارا فاحرقت ما ظهر من الاشجار وبقى الاصول والعروق فجعلوا في اطرافها حيسا مدفونا فلما جن الليل حفرتها الخنازير لرائحة الحيس فقلعوا جميعه فاقترعوا بين اربعة امكنة ايها يجعلون المسجد الجامع فوقعت قرعتهم على مكان الجامع فاختطوها دورا وقصورا وبيوتا فلما بنوها أنسوا من أنفسهم قوة فنظروا من يصلح للولاية من رؤساء القبائل فوجدوا جماعة كل واحد صالح شجاعة وعلما وتقى فاتفق رأيهم على عبد الرحمن لفضله وكونه من حملة العلم ولكون المسلمين أرادوا تقديمه قبل ابى الخطاب وامتنع لامانات كانت تحته للناس وودائع ولكونه عامل ابى الخطاب على افريقية وما والاها ولأنه لا قبيلة له تمنعه اذا تغير عن طريق العدل فبايعوه على اقامة كتاب الله وسنة رسوله واتباع الخلفاء الراشدين فقبلها على ذلك واقام بأمر الله وزهد الدنيا بعد ان تمكن منها فلم ينقم احد عليه في خصومة ولا حكومة ولا اخذ مال ولا اقامة حد ولا ميل الى الدنيا، فلما اشتهر عدله واتصلت اخباره بذلك وتواترت اخباره بالمشرق والمغرب بعث له اهل البصرة بثلاثة احمال مال فلما بلغت الرسل الى تيهرت الفوا الامام فوق دار يطينها والعبيد يناولونه الطين فسألوا العبيد أن يستأذنوا لهم على الامام وقد سمع قولهم وما طلبوا فنزل وغسل الطين فاذن لهم فدخلوا فسلموا ورد عليهم وفتت لهم خبزاً وعصر عليه عكة فلما اكلوا خلصوا

– 125 –