الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث علي بن يحيى معمر

الإباضية بين الفرق الإسلامية

الجزء ١ · صفحة ٤٠٦

التي تربطهم بملوك وأمراء بني أمية السابقين فامتنعوا عن التخلي عنها فقال لهم: «وأيم الله لولا أن تستعينوا بمن أطلب له حقه من هذا المال علي فتقاتلوني بهم ما خرجتم منها أو تتركوه» (1).

فرجال السياسة في الدولة الجائرة لا يُرضيهم أن يقوم العدل في دولتهم، ولا حتى أن يقوم في دولة بجانبهم، لأن الحكم العادل كفيل بأن يكشف للناس عن مساوئ حُكمهم وأن يُطلق ألسنتهم بالنقد، وربما بالنقمة ثُمَّ بالثورة، ولذلك فهم يجندون كل ما عندهم من قوة وإمكانيات لإخراس الألسنة المنتقدة، والأيدي المتحركة في دولهم القائمة، وللقضاء على أي حكم نظيف يقوم إلى جانبهم بكل أنواع الحرب، من كيد ودعاية كاذبة، وتشويه للحقائق، وتشنيع وتعذيب وضرب بالسيف إن اقتضى الأمر ذلك في نظرهم.

رأى الإباضية أنه ما دام هذا النموذج من الدول موجودًا، وأنه ليس في الإمكان القضاء عليه والإتيان بحكم خير منه، فعليهم أن يجتنبوا المجال السياسي، وأن يبتعدوا عن كراسي الحكم، وأن يتركوها للمتنازعين عليها، المتحاربين بسببها، وقد وقفوا هذا الموقف وسلكوا هذا المسلك فلم يقم منهم قائم يدعو لنفسه أو يعمل لغيره أو يساعد أحدا للوصول إلى الحكم منذ أواخر القرن الثالث الهجري. وقد واتت فرص لبعضهم لو أراد

-

1

يبدو أن المراد بالعبارة: «ما خرجتم منها ما خرجتم من دار الإمارة إلا أن تتركوا اخرجتم المال. تأمل والله أعلم. (المحقق)

-376 -