الإباضية بين الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٥٥٣أمير المؤمنين استمر نحو ست سنوات، ولكن أحدا لم يتخذ موقفا صارمًا، لا أهل الشام ولا أهل العراق ولا أهل مصر ولا حتى أهل الحرمين، حتّى وقعت الكارثة وقتل عثمان. هذا الجمهور الصامت المترقب هل هو مع عثمان؟ هل هو ضد عثمان؟ هل هو على الحياد الكامل، كأن المسألة لا تعنيه؟ إن التفسير الوحيد لهذا الموقف الجامد، أن الارتباك هو الذي يُقيد صاحبه عن الحركة؛ فلما تحرَّك العثمانية بعد هذا الدور وأرادوا أن يستغلوا هذه الفتنة ضد الخلافة التي قامت بعدها، لم يقف الجمهور مرتبكاً كما وقف في المرة الأولى؛ لقد انضم الفريق الأكبر إلى تأييد الخلافة
-
الجديدة، وانضم فريق آخر إلى الناقمين عليها، وأعلن فريق ثالث ويتكون من عدد قليل جدا أنه يقف على الحياد الكامل، وسار على
-
مبدئه وحافظ عليه في جميع الأحداث التي وقعت بعد، فبقي على الحياد.
(1)
هؤلاء الحياديون لم يكونوا تكتلا ولم ينصروا حزبا على حزب، بل
إن كل واحد منهم قد اتخذ لنفسه ذلك الموقف بناء على اقتناعه الشخصي فقط، ولم ينتج عن موقفهم هذا اتجاه مذهبي، ولذلك لم ندخلهم في الاعتبارات السابقة.
ولا شك أن تلك الاتجاهات السياسة قد نتجت عنها صراعات مذهبية فقهية وكلاميَّة كانت متأثرة إلى حد ما بتلك الظروف والحركات
1 – ذهب بعض المتفلسفة المستشرقين إلى أنهم أصل لمذهب المعتزلة المعروف، لأن بعض مصادر التاريخ قالت عنهم إنهم اعتزلوا الفتن فقدروا أن كلمة الاعتزال جاءت من هنا، واقتنع بهذا الرأي بعض علماء المسلمين، منهم الأستاذ علي الغوابي حتى بنى عليه بحثه لكأنه هو الحقيقة. (المؤلف)
-523 -