نهضة الأعيان بحرية عمان
الجزء ١ · صفحة ١٢٤القوية، واستظهر بمساعدة الإنجليز له ولتغلب جبابرة عمان على المعاقل الداخلية، فنظروا فيما هم بصدده من الأمر الذي يحاولونه فاستشعروا العجز لكثرة من حولهم من الأعادي، وقوة شوكة الجبابرة. وزادهم فشلاً أن نور الدين أرسل العلامة أبا مالك إلى الشيخ العلامة ماجد بن خميس العبري والشيخ مهنا بن حمد رئيس العبريين وجماعتهم، وكانوا قد وعدوه جميلاً في أول الأمر، فرجع إليه باعتذارهم في هذا الوقت للمحاذرات التي يحاذرها جُلُّ أهل عمان، وكاد أن يتلاشى ذلك الاجتماع، فخلصوا نجياً، وكثر القيل والقال، وبقي الرأي يجول وهم بين إقدام، وإحجام قد هوّل عليهم الأمر أزب العقبة، فكان نتيجة ذلك الموقف، أن سلّم العلماء والأمراء والخاصة والعامة أرواحهم ومهجهم إلى رئيس النهضة العمانية، وقلدوه أمرهم لعلمهم أنه يستسهل الصعاب من الأمور، اعتماداً على ربه، وثقة بمولاه، وتوكلاً عليه.
فلما كانت الساعة الثانية عشرة من يوم الأثنين الثاني عشر من شهر جمادى الثانية قال لهم: اختاروا زعيماً تقدمونه للمسلمين أميناً على حمل الأمانة والدين، يحمل الناس على احترام الشريعة المحمدية، فوقع نظر الجميع: إنا نرى ذلك الشخص، وأشاروا إلى الشيخ سالم بن راشد الخروصي، فكلمه فأبى وامتنع فألح عليه العلماء والأمراء والأعيان، فأجابهم: إني ما خرجت لتبايعوني، بل لأبايع من تبايعونه. ولست أطيق لمرامكم حملاً، ولم أكن له أهلاً، فأبوا عليه إلا القبول وأبى إلا الامتناع، ورووا له ما جاء في المأثور عن السلف الصالح من جواز قتل الممتنع من قبول الإمامة، إذا وقع عليه اختيار المسلمين. فلما أعياهم أمرهم نور الدين بحمله وتقريبه إليه، وكان قد قعد في أخريات الناس هضماً للنفس فحمل قسراً، ثم تعلل بأمور، وشرط شروطاً فأجابه نور الدين: إنا لا نقبل هذه الشروط منك. فإن أبيت قتلناك، إذ بامتناعك ـ متى وقع عليك اختيار المسلمين - تتفرق الكلمة وينحل النظام، وتتعطل الحدود.
وأمر نور الدين تلميذه الكبير أبا زيد بقتله متى أصر على الامتناع، فسل حسامه وصح عند الحاضرين أنه قاتله لا محالة. فسألهم إن قتلتموني هل أنا عندكم في الولاية، فصرخ الجمهور: ((لا) وملأوا بها أفواههم، فعقدوا عليه البيعة غصباً، والدموع على وجهه. وما ذلك منه ـ رحمه الله - جبن، ولكنه مخافة التقصير بما سيتحمله، لعلمه أن الأمر جلل، وأن الخطة صعبة المرتقى وحمّل الناس على الجادّة ليس بالهوينا، ولسان
الحال ينشد:
124