نهضة الأعيان بحرية عمان
الجزء ١ · صفحة ٢٨٩بمراده، بعبارة وجيزة، لا يحسنها الزائر، وأعرب له عن قصده الذي جاء إليه، إن خيراً أو شرا، فيتحقق بعد الفحص صدق حَدسه، حتى إن بعض الوفود يرتج عليه أن يفوه عنده بشيء، يباسط الناس الخاصة والعامة، ويقص لهم القصص الدينية، والآداب الدنيوية، أحرز الحالتين، يسلي المتوجع، لا يرد سائلاً ولا مسترفداً، ولا يملك ما بيده، أكرم أهل زمانه، كأنما عناه القائل:
ولو لم يكن في كفه غير نفسه لجاد بها فليتق الله سائله يجلس إلى الناس: الخاصة والعامة، يباسطهم، ويعلمهم أمر دينهم ودنياهم، يقضي نهاره في خدمة المسلمين، يحره المرأة والخادم والصغير والكبير والضعيف والقوي لا يأنف من أحد، فيقضي حاجتهم ويرجع إلى مجلسه، حتى أنه في بعض الأوقات يتولى بيده علاج بعض المرضى من الضعفاء ويتولى كل أمور المسلمين حتى بروات الطعام لدواب الضيوف ودواب الدولة.
ملك
روح الشعب بالمحبة والسياسة واللين لا بالقوة والجبروت، عظمه الناس، لصغر الدنيا في عينيه، فلا يرى لها قدراً.
كان قبل ارتقائه عرش الإمامة في رغد من العيش وتألق من اللباس؛ لأنه كان غنياً، فلما ولي الأمر رغب عن ذلك مع كثرة غناه، فكان يطوي الأيام والليالي، ويفطر على التمر والعوال)، كثير صيام التطوع، حتى ابتلى بنقصان في بصره، لكثرة صيامه وتقشفه في المعيشة، بقي خمسة أشهر مكفوفاً، فاحتاج إلى علاج الدكتور، فأرسل إلى تومس الأمريكي من مسقط قلبي دعوته فعالجه فأبصر من إحدى عينيه.
كان لا يلوم أحداً على ما يكون العذر في مثله يلتمس العذر لإخوانه والتخلص له من العثرة، لا يشكو وجعاً ولا صاحباً، ولا ينتقم من الولي على العدو، ولا يغفل عن الولي، لا يخص نفسه دون إخوانه بشيء من اهتمامه ولا يتبرم ولا يضجر، تأتيه الحوادث، وتطرقه الكوارث، فلا يتغير، ولا يتضعضع يتلقاها بصدر أوسع من الدهناء، فإذا جاء الجد فهو الليث عاديا.
(1) العوال: سمك يابس يدخره العُمانيون.
289
نهضة الأعيان - م 19