نهضة الأعيان بحرية عمان
الجزء ١ · صفحة ٣٥٨اشتغل في حال قيامه بنزوى بالقضاء، فهو رئيس القضاة بعمان في عصره، وجعل وقتاً للتدريس، فتخرج عنه عدة علماء، حملوا الفقه وفنون العلم عنه، وجلب نساخاً
للكتب، وأحتى كثيراً من المؤلفات الغامضة التي أضاعها الإهمال، وأكلتها الأرضة.
عمر بيت المال بنزوى فغرس نخل المبسلى، وكان عزيز الوجود بها، وحض أهلها على غرسه، لكونه يدر أرباحاً كثيرة، وحضهم على عمارة البلد وخدمة الأنهار، وكل ذلك لم يمنعه عن القيام بشؤون الدولة والنظر في مصالحها.
وقع في قلبه حرج في عصر الإمام الخروصي على المتعلمين الذين استناروا ببدره، وشربوا من بحره فتوغر صدره وضاق قلبه فأحب الاعتزال والانفراد، وتخلى عن القضاء، واستعفى من إدارة الأمور، وخرج من نزوى إلى بيته ببدية. ومما كتبه جواباً لسؤال صدر إليه من أحد المتعلمين الذين آنس منهم الجفا:
إني أقول كما قال الذين مضوا: صبر جميل فيا طوبى لمن صبرا كفوا الملام فحسبي من سلامتكم سكوتكم عندنا أولى فكن حذرا نزواكم لكم والله يرزقنا والله يكلؤنا من كل من مكرا ستعلمون غداً قدري ومنزلتي إذا تكشف ما قد كان مستترا متى ترحلت عن قوم وقد قدروا أن لا تفارقهم لومت من قدرا
مع كلام طويل يتبين فيه غضب التحرير. وفي حال قيامه ببدية لم يعذره الإمام، وألزمه أن يتقلد إدارة القضاء بالشرقية فكانت تصدر أوامر الولاة وأحكام الشريعة عن رأيه، وألزم والي بدية السيد هلال بن علي امتثال أوامره وأن لا يحل، ولا يعقد إلا برأيه. ولما استشهد الإمام الخروصي كان أول من قام في الناس يحضهم ويحثهم على الاجتماع لعقد إمام لهم، فيجتمع الشمل، ويبقى النظام غير منحل. وكان أول من بايع الإمام الخليلي، وخطب على رأسه خطبة العقد، كما أنه فعل ذلك في عهد الإمام
الخروصي.
كانت بينه وسيدي الوالد نور الدين مراسلات ومباحثات وسؤالات، كتبها إليه العلامة أبو مالك نظماً ونثراً. وكان أحظى التلامذة عنده، فهو يقرأ له ويكتب عنه، فخرج ذات مرة لزيارة أولاده، فطالت غيبته، فكتب إليه نور الدين:
أعامر أنت عندي خير صاحب وأنت فتى عددتك للنوائب.
358