قصة نجاح: أُنموذج إسهام المرأة العُمانية سلطان بن مبارك بن حمد الشيباني

25. قصة نجاح (أنموذج إسهام المرأة العمانية)

الجزء ١ · صفحة ١٧

16

وأما لقاؤكم فما كان أطيَبَهُ وأهنأه إنّ فيه هناءةً لا يَعْرِفُها إِلا مَنْ ذاق مرارة النوى، حين طال اغترابه، وتعذَّرَ إيابه، ونأت به الديار، وأضناه بعد المزار. حقًا ليس أمتع ولا أهنأ ولا أقوى أثرًا في النفس من لقاء بعد اغتراب، واجتماع بعد طول حنين.

وأما ذكرياتي هُنا قَبْلَ الرحيل فهي عميقة، تتكاثر على نفس حسّاسة، وتتركز في قَلْبٍ أُشْرِبَ حُبَّ موطنه الأول، ومَهْبِطِ رأسه، ومَنْبَتِ نفسه،

ومَدْرَج طفولته ومَرْتَعِ حداثته. اعذروني يا سيداتي إذا وجدتُ القولَ يَزْدَحِمُ عليَّ فلا أستطيع أن أُفْصِحَ ولا أُبين، فإنَّ كثيرًا مِنَ العواطف تتجاذبني، وعديدًا من الأحاسيس يختلج في نفسي، منها ما توقَّعْتُ ومنها ما لَمْ أَكُنْ أتوقعه.

لقد كنتُ - يا سيداتي - وأنا في طريقي إلى وطني أود أن أدخُل ماشيةً على قَدَمَيَّ لأسيرَ وَرَاءَ قلبي فأتذوّقَ جَمَالَ الذِّكْرَى، وَأَنْشَقَ عطرَ عهدي الأول، ولأحي تحيةً خالصةً من أعماق نفسي كل أثر باق، وكُل تذكار سام

من

تلك الآثار التي ارتبطت بِهَا نفسي إبان طفولتي. أَعَلِمْتُمْ ما يَجِدُه الحاجُ الوَرِعُ المتبتل حين يهبط الأرضَ المقدسة؟ إنه لا يشبهه إلا ما أجِدُه اليوم لتلك البقاع العزيزة الغالية الطاهرة المباركة. سيداتي؛ لا يستطيع الإنسانُ - مهما تلوَّنَتْ له الحياة، وتبدَّت له مفاتنُ الدنيا - أن ينسى وطنه الذي منه نَبَتْ، ومِنْ هَوائه تنفَّسَ عند أول عَهْدِهِ بالوجود، وإذا كان الطيرُ يُضْنِيهِ الحنينُ إلى وَكْرِهِ الذي دَرَجَ منه فلا يزال