63.في موكب الإصلاح
الجزء ١ · صفحة ٦٣62
وأمّا كَوْنُ البلاغة وكمال التَّنْزيه يُوجِبان التأويل فهو دعوى أو دَعْوَيَانِ لا يقوم عليهما دليل، فهؤلاء المتكلّمون المتأولون ليس أكمل تَنْزيها الله تعالى ولا أوقى فهما لبلاغة كتابه من علماء الصحابة والتابعين،
بل دُونَهُم فيهما بدون نزاع، وإنّما كلامهم في التنزيه مبني على نظريات اصطلاحية ما أنزل الله تعالى بها من سلطان، وقد أفضت بالجهمية والمعتزلة إلى نفي الصفات التي أثبتها الله لنفسه وهي عين الكمال، بالتحكُم فيها كما يتحكمون في صفات المخلوقات، كما أنّ فهمهم للبلاغة مقيد بقواعد واصطلاحات الفنون وأصول المذاهب التي يُحكِّمونَهَا في القرآن والقرآنُ فوقَ الفنون والمذاهب، وإنّما الواجب تَحكيمَهُ فيهما، كما بَيَّنا ذلك مرارًا في تفسيرنا (والشيعة والإباضية على مذهب المعتزلة في التأويل).
وأما شدّتنا في الردّ عليهم فهو دُونَ شِدَّةِ غُلاتِهِمْ في الرَّدّ على أهل الإثبات وسلف الأمة، فهم قد يكفّرون مُخالفهم في صفة العُلو ولو بطريق اللزوم، ونحن تُخطئهم ولا نكفّرهم. وسنتوخّى اللَّينَ في ذلك إن شاء الله
تعالى (76)
وفي هذا المثال ما يَشْهَدُ للرَّجُلَيْنِ باستقلالية الفكر، واتباع الحق،
وتَرْكِ المُحاباة والمُجَامَلات.
المنار مج 32/ ص 111. العدد الصادر بتاريخ شوال 1350 هـ/ فبراير 1932 م.
(76)