الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات
الجزء ١ · صفحة ٤٨الإباضية ومنهجية البحث
القسم الأول: صور من تحريف المنهج السليم
في الفصل الأول من هذا البحث نقلنا - بشيء من الاختصار - قواعد "البحث العلمي" في مجال التاريخ الإسلامي، وعرفنا أن أي كاتب مهما علت منزلته وارتفع صيته عليه أن يبين لقرائه المصادر التي استقى منها معلوماته، وعرفنا أن الأحكام التي يصدرها أي كاتب على أي أحد لا بد أن تكون مبنية على يقين ومعرفة تامة بأحوال المتكلم عنهم وإلا فإن قوله يكون مردودا عليه ولا يعتد به.
وهذه الأحكام ليست مما توصل إليه الناس في هذا العصر بل هي الحقيقة التي نادى بها ديننا الحنيف منذ أن أنزل ليطهر الكيان البشري من الجاهلية وإفرازاتها التي تملي على البشر قاطبة تعاليمها ومبادئها. وأصبح للمسلم شخصية يعرف بها إذا تكلم وإذا شرب وإذا لبس وإذا كتب وإذا نام وإذا عمل أي عمل مرتبط بوجوده في
هذه الأرض.
ولكن حينما تكون في النفوس عقد منفوث فيها التعنت والإصرار على جود الحق، وحينما يكون على القلوب أسوجة من عقابيل التعصب المذهبي البغيض، وحينما تكون على الأبصار غشاوات من موروثات الأباطيل والأضاليل، وحينما تكون كل هذه في كيان يهتز طربا لرؤية السراب الخداع وفزعا من الحق الدامغ. فإنه لا محالة ستنقلب الموازين في نفوس أصحاب هذه الصفات، وتتغير عن الحق اتجاهاتهم وتفسد نتائج أعمالهم، وما ذلك إلا بسبب تلوث موروثاتهم وتأسن مواردهم. وتظهر هذه الصفات في الذين رفعوا شعاراتهم باسم " المنهج العلمي" كذبا وزورا حينما كتبوا عن المذهب الإباضي كتابات يمجها كل صاحب حق
ويرفضها كل من له أدنى معرفة بالأسس والقيم التي يتحلى بها الكاتب المنصف.
48