الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٦١الإباضية في موكب التاريخ
297
الإباضية في الجزائر
وكما آوى جبل نفوسة" كُلّ من هاجر إليه وأحسن إليهم وقاسمهم في جميع مرافق الحياة، وكما آوت "جربة" جميع من هاجر إليها، وقاسمتهم في جميع مرافق الحياة، وهيأت لهم سبل العيش الكريم، وكما آوى وادي ميزاب ولا يزال يأوي كُلّ من هاجر إليه، ووفر له الحياة الكريمة، وقاسمه المال والوطن؛ كذلك فعلت وارجلان" مع من هاجر إليها من الشمال والشرق والغرب، وفتحت لهم، صدرها وأولتهم خيرها وبرها، وعاملتهم معاملة المؤمن لأخيه المؤمن حين يضيق به مجال الحياة، وَلَمْ تتنكر لإخوتها في يوم من
الأيام.
ولقد كانت "وار جلان" لا سيما في تلك العهود أشد برا وأكثر عطفا وأعمق إيمانا واستشعارًا للمسئولية الدينية والأخوية من أن تصدَّ إخوانها أو تعاملهم بالغلظة التي تتركهم يفكرون في الهجرة، وَإِنَّمَا حمل أهل "سدراته" عَلَى الهجرة بل وأهل "وَار جلان" أنفسهم تلك العوامل الأخرى التي أشرنا إليها في أوَّل هذا الفصل، وَيَدُلُّ لذلك أن الهجرة كانت تدريجية بطيئة، وكانت من "سدراته" ومن "وَار جلان" أيضًا ومن "أريغ" وغيرها، ولو كانت هجرة مبنية على خلاف وعداوة وتحاسد ثُمَّ نزاع وتغلب لاقترنت بما تقترن به تلك الحركات عادة من ألوان التعاسة والمآسي ومناظر البؤس الجماعي، ولكنَّها كانت هجرة فردية مبنية على أسباب معيشية، وكانت هجرة تدريجية حتى بالنسبة للأفراد، فقد كان الكثير من أولئك الذين انتقلوا من "سدراته" أو "وَار جلان" إلى "وادي ميزاب" لَمْ يكونوا في أَوَّل الأمر ينوون الاستقرار أو الإقامة وَإِنَّمَا ارتحلوا وراء أنعامهم التي سبقتهم فرحب بهم إخوتهم، وطابت لهم الحياة فأقاموا .. ومنهم من أحس بالجفاف في "سدراته" أو ""وَارجُلان"، وازدياد قسوة الطبيعة فذهبوا يرتادون الأماكن إلى "وادي ميزاب" أو غيرها فطاب لهم المكان الجديد، فرجعوا وقرروا الارتحال إليه بأهلهم وأموالهم. ونظرة واحدة إلى تاريخ تكوّن القرى في وادي ميزاب" توضح لنا أن الهجرة إليه كانت تدريجية؛ فقد تكونت العطف في سنة 402 هـ حسبما ذكره الأستاذ الدبوز، وهذا يعني أن الناس الذين التفوا حول الإمام أبي عبد الله من المصعبيين أنفسهم، ومن
||