الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬١١١

الإباضية في موكب التاريخ

347

الإباضية في الجزائر

"ميزاب" في نظر مستشرق

أستاذنا

إن للمستشرقين والمستعمرين الغربيين أساليبهم الخاصة عندما يكتبون عن أي بلد من بلدان الشرق، وهم يدعون النزاهة والعلمية، ولكن الواقع أن الكثير منهم لا يدعون فرصة تفوتهم لكي يبثوا السموم فيما يكتبونه عن الشرق، وهذا مستعمر فرنسي كتب عن الجزائر وعن "ميزاب"، وفي كتابه كثير من المغالطات والسموم، وفيه بعض الحقائق، ولقد طلبت من الفاضل الشيخ عبد الرحمن أن يترجم لي الفصل المتعلق بـ"وادي ميزاب" فأجاب مشكوراً، وقد رأيت أن أنقل عنه بعض الفقرات فقط، وأن أترك كثيرًا من التشويهات والأكاذيب دون أن أثقل بها على القارئ الكريم، وَرُبَّمَا أنقل له واحدة من الأكاذيب كنموذج.

قال شيخنا باكلي عبد الرحمن ما يلي: الكتاب هو كتاب: «صحراء الجزائر»، تأليف العقيد توماس المدير المركزي للشؤون العربية بالجزائر، نشره بإجازة المارشال دوق دي دالماس رئيس وزراء فرنسا يومئذ ووزير الحرب، مطبوع في باريس سنة (1845 م). بعد أن ساق خلاصة يظن أنه استقاها من بعض خصوم الميزابيين تشتمل على ما ينبزون به من قبل مخالفيهم الذين ينظرون إليهم كمارقين من الدين، قال: "ومهما كان الأمر فإن الميزابيين أشد تدينا من العرب، يتخذون ثيابا خاصة بالصلاة، لا يسكرون ولا يزنون يصومون ويصلون، ويسبغون الوضوء، يبالغون في تطهير تقاليدهم إلى حد التشديد والغلو، فهم يعتبرون لذلك زهاد الصحراء المصلحين. وللواحد منهم وهو الواقع أن يتخذ زوجات أربع، ولَكنَّهم يحجبونهن عن أعين الناس عكس أعراب البادية، فالابن لا يمكنه أن يرى سوى أمه، والأخ لا يسوغ له أن يرى زوجة أخيه، فإذا خرجن خرجن متلثمات إلا عينا واحدة الزاني عندهم يرجم، ويغرم غرامه باهظة، ويعزر خمسمائة جلدة، ويغرَّب فهم متدينون مُحافظون عَلَى عقيدتهم، أعداء الكذب، يموت أحدهم جوعًا ولا يخون الأمانة المودعة عنده فكأن لسان حاله يقول لها: حفظك الله، نامي فأنا ساهر عليك. لا يأكلون إلا ما يطبخونه ويحضرونه بأنفسهم عفة ومبالغة في الزهد، لا ينشقون السعوط ولا يدخنون ويرون ذلك محرما شرعًا، ويرون الإسكار جريمة بحيث لو سكر يهودي لفتشوا، محله وقد يفتشون محال ذويه أحيانًا وما عثروا عليه لديهم من جرار الخمر حطموه في البطحاء العامة بين سمع الناس وبصرهم، وإذا زنت يهودية غربت بكيفية مخجلة وهذا مما يؤسف له".