الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬١٧٧الإباضية في موكب التاريخ
413
الإباضية في الجزائر
وموقف الإباضية في عمومه لا يختلف عن موقف بقية الأمة الإسلامية، وبالنسبة إلى إباضية الجزائر يُمكن لنا أن نرسم لموقفهم في الجهاد صورتان توضحان هذا الموقف، وتبرزان أهم ملامحه وأبرز سماته. الصورة الأولى: عندما كان لإباضية الجزائر دولة قائمة في تاهرت هي الدولة الرستمية ونحن حين ننظر إلى خريطة الجزائر الجغرافية للبحث عن موقع الدولة الرستمية التي كان أئمتها على المذهب الإباضي لنرى مبلغ جهادها في سبيل الله لأعداء الإسلام يتضح لنا أن موقع تلك
الدولة كان في داخل البلاد، أي أنها ليست مواجهة لأعداء الإسلام في أي جانب من جوانبها. أي أنها ليست من دول المواجهة بتعبير اليوم، فبينها وبين أعداء الإسلام من كُلّ جهة بلاد واسعة تقوم عليها دول إسلامية مختلفة الأسماء والنزعات. وتلك الدول فيما بينها على وفاق حينًا، وعلى خلاف وخصام أحيانًا كثيرة، وليس للدولة الرسمية منفذ إلى العدو إلا بالمرور على أرض إحدى تلك الدول، وتلك الدول هي ذات كيان مستقل أو شبه مستقل لا تسمح أبدًا، ومهما كانت الأسباب والظروف بمرور قوات عسكرية داخل أرضيها، ولذلك فلم يذكر لنا التاريخ فيما أعلم أن الدولة الرستمية قد اشتبكت أو اشتركت في جهاد فعلي ضد أعداء الإسلام). يضاف إلى هذا أن الأمة الإسلامية - في عمومها - في تلك الفترة كانت قد بدأت تبتعد عن الجهاد ضد العدو الخارجي، وصارت أسلحتها تتجه إلى الداخل يضرب بعضها بعضا، وأحسنها حالاً تلك التي كانت تقف في صمود ومصابرة لرد العدوان المتكرر من أعداء الله،
سواء كان أولئك الأعداء تحت راية الشرك أو تحت راية أهل الكتاب من نصارى ويهود. وعلى كُلِّ حال فَإِنَّهُ يبدو لنا أن الدولة الرستُميَّة لم تتح لها فرصة للقيام بواجب الجهاد المقدس استمرارًا بالفتح والله وحده يعلم ما كانت هذه الدولة فاعلة لو أن موقعها كان في مواجهة العدو الحقيقي، ولو أن محال الاستمرار بحمل الرسالة والانطلاق بها كان مفتوحا لها.
1) يرى المؤرخ البحاثة الشيخ سليمان بن الحاج داود غير هذا الرأي، ولعله اطلع في مصادر التاريخ على ما لم أطلع عليه من قيام الدولة الرستمية منفردة أو مشتركة بحروب ضد أعداء الإسلام والجهاد في سبيله.