الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬١٧٦

الإباضية في موكب التاريخ

412

الإباضية في الجزائر

عمهم ظل حكمهم، وكانت الدنيا تتسع لهم، وتنفسح أمامهم وتتفتح تحت ضربات أقدامهم فلما باستمرار، توقفوا عن الجهاد ووضعوا سيوفهم في أغمادها، وعادوا بنظرهم إلى الداخل، وفكروا تفكيراً ماديًا صرفًا، فأرادوا تقسيم ما بأيديهم، تولد فيهم النزاع على الكرسي، وتَهارشوا على سلطة الحكم؛ فأصبح السلاح الذي كان يوجه إلى الفتوح يقوم بتجزئة الصفوف، والجيش الذي كان يضرب العدو منقسمًا عَلَى نفسه يضرب بعضه بعضاً .. فتوقف تقدمهم الحضاري، ونشرهم للإسلام، ثُمَّ اشتبكت أسلحتهم فيما بينهم، ولم يزالوا يجزئون وطنهم حتى صار أجزاء صغيرة ضعيفة متحاربة لا يقوى أي منها عَلَى ردّ عدو، ولا يطمئن إلى مساعدة تأتي من الأجزاء الأخرى، فتقدم إليهم العدو يلتهم تلك الدويلات الضعيفة بكراسيها المتداعية قطعة بعد قطعة، ولم ينتصف القرن التاسع عشر الميلادي حتى صار أغلب العالم الإسلامي بدوله الكثيرة الصغيرة محكوما للاستعمار، إمَّا حكمًا كاملاً، وَإِمَّا حكمًا قريبا من الكامل. وفي هذه الأثناء - أي منذ توقف الجهاد في سبيل الله - انقلب حال المسلمين بدولهم الصغيرة إلى حالتين:

الحالة الأولى تتمثل في دفاعهم للعدو المهاجم بما أمكن من القوى، وقد كانت مواقف الناس والدول التي تتصدى للقيام بهذا الدفاع تختلف تبعا للظروف المختلفة، كالموقع ونظام الحكم، ونوع العلاقة العدو المهاجم، وعلاقة الدولة المدافعة بالدويلات الإسلامية المجاورة، مع ثُمَّ مقدار ما تشعر به من الأمن في داخلها مشتبكة العدو، يضاف كُل هذا إلى

وهي

الاستعداد النفسي والمادي للجهاد في سبيل الله وما يلحق بِهَذَا من المؤثرات.

الحالة الثانية: تتمثل في انشغال بعض الدويلات بتأمين نفسها، أو اشتغالها باستغلال ظروف جارتها المنهمكة في اشتباك مع العدو للحصول على مكاسب بشرية أو ترابية تضيفها إلى رقعتها الضيقة، هذا مع العلم بأن علماء المسلمين وصادقي المؤمنين لم ينفكوا في أي لحظة من الصراخ برجال السياسة والحكم لكي ينبذوا مطامحهم ومطامعهم الشخصية، وأن يتحدوا في نظام واحد يستطيعون فيه أن يوجهوا أسلحتهم بكل جدارة إلى أعداء الله وأعدائهم الحقيقيين، ولكن تلك الصرخات كانت تتحطم عَلَى رغبات ومطامح الحكام الأقزام الذين أعمى بالكراسي أبصارهم، وصرفهم عن معرفة حقيقتهم في ميزان الحقائق والقيم والقوى.

تشبثهم