الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٣٤الإباضية في موكب التاريخ
132
الإباضية في ليبيا (1)
التاريخ بين الدولة والأمة
إن تاريخ الدولة، قد يكون هو نفسه تاريخ الأمة، وقد يكون جانبا من تاريخ الأمة، وقد يكون أبعد الأشياء عن تاريخ الأمة، والمؤرخون في أغلب الأحيان يندفعون إلى تسجيل حركات دولة ما وأعمالها عَلَى أَنَّهَا تاريخ الأمة التي تسيطر عليها تلك الدولة .. وفي الأحيان التي تكون فيها الدولة مستبدة أو صاحب السلطان طاغيا فإن المسافة بينها وبين الأمة سحيقة البعد، ومع ذلك فإن الكتاب الذين يشتهون أن يكونوا حداة للموكب الظالم، أو أبواقًا لدعايته يكتبون وهم يعتقدون أو يتظاهرون بأنهم يكتبون تاريخ الأمة، وقد وقعت بهذه الطريقة مغالطات كبرى في تاريخ البشرية، وسوف أضرب أمثلة لما أرمى إليه حتّى يتضح فكرى للقارئ الكريم. يتحدث مؤرخ عن عظمة الأمة المصرية في عصر الفراعنة، ويلتمس الشواهد على ما وصلت إليه هذه الأُمَّة من مجد وحضارة، فيقدم للقارئ الكريم، الشواهد الثابتة التي لا تتغير، يقدم إليه الأهرام، هذه الجبال الشاهقة التي صنعتها أيدي البشر في فترة من تاريخها الطويل، فهل كانت الأهرام حقا من الشواهد على عظمة مصر؟ أيام كان خوفو يتولى زمام الحكم فيها؟ قد تكون هذه الظاهرة براقة خادعة، ولكن الإنسان إذا تغلغل إلى حقيقة التاريخ، سرعان ما يعرف أن هذه الشواهد أبعد شَيء عن حقيقة تاريخ الأمة المصرية في ذلك الحين. إنها قد تكون صورة من تاريخ خوفو، فرعون مصر المريض بداء الحقارة .. أو دليلا على تمكن هذا المرض من نفسية ذلك الملك الطاغية، ولكنها ليست عَلَى كُلّ حال حقائق من تاريخ الأمة المصرية. إن الناظر الساذج قد ينبهر بعظمة هذا العمل، وقد يحسبه من أمجاد الأمة، ولكن هل نجد حقا في ذلك العمل عظمة ومحدا؟ أعتقد أن تلك الحالة كانت أبعد شَيْء عن حقيقة العظمة والمجد، وأقصى شيء عن تاريخ الأمة وأعمال الشعب. مائة ألف من الأجسام الفتية، والسواعد القوية، تسخر لنحت الصخر، ودحرجة الحجر، مدة لا تقل عن عشرين سنة .. لو وجهت هذه الجهود لعمل مثمر، لشقت مجرى نيل ثان يروي صحراء مصر القاحلة، فوجد فيه الملايين من سكان مصر جنة على الأرض. ولكن