الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٣٥الإباضية في موكب التاريخ
133
الإباضية في ليبيا (1)
التروة الحمقاء التي سيطرت عَلَى رأس الملك المريض بداء الحقارة – أعوزته العظمة في نفسه، فراح يلتمس لها الوسائل في الخارج - أبت أن توجه تلك القوى إلى الاتجاه النافع للأمة، فإذا بمجهودات الأمَّة جميعًا تسخر لإرضاء هذه التروة الطائشة.
وتمضي عشرون عاما من حياة هذه الأمة لتبني قبر شخصين، وتصبر وهي تعمل تحت لذع
السياط، لتقدم المجنون لهذا قوة البدن وثمرة الإنتاج والمال القليل الذي تحصل عليه بالكفاح المستمر. وفي هذا الحين، الذي تبلغ فيه الأمة المصرية أحط ما تصل إليه أمة من الذلة والهوان والاسترقاق والمجاعة تحت حكم طاغية، لا يجد بعض المؤرخين عنا في أن يشيدوا بالمجد العظيم الذي بنته الأُمَّة المصرية حين أقامت الأهرام. إن هؤلاء المؤرخين يحسبون أن السلطان أو الأداة الحاكمة هي الأمة، وما دام فرعون يعمل فإن عمله يعتبر تاريخا للأمة، وهم حين ينظرون إلى هؤلاء الآلاف من الناس، الذين يكدسون الرمال ويرصفون الطرق؛ ليدحرجوا عليها الصخوز، يرونهم بالعين التي ترى سربا من النمل يغدو ويروح في طريق القرية ليحمل نفقة العام، كأنما كُلّ واحد من هؤلاء جاء بمحض إرادته ليبني لنفسه برجا في هذا القصر العظيم .. ولم يلمحوا الفقر والذلة والمهانة التي تبلى بها الأمة، ولا العذاب والسياط التي تسلط على هذه الجماهير الكادحة، في عمل شاق ليست له ثمرة إلا الشهوة، شهوة فرعون أن يكون عظيما، وأن يكون قويا وأن يكون من الخالدين. فهل يعتبر هذا العمل حقا من تاريخ الأُمَّة؟ هل تعتبر هذه الآلاف من العمال المسخرين الذين يدهدهون الصخر من الصبح إلى المساء، وأبناؤهم يقتلهم السعب والفاقة، هل تعتبر هذه الآلاف العاملة تحت السوط والسيف من الأمة؟!! وهل يعتبر عملها هذا تاريخا للأمة؟!! إنني لا أستطيع أن أتصور ذلك أبدًا، وكُلُّ ما أفهمه أن هذا قد يكون صورة من تاريخ فرعون، وأن هؤلاء الآلاف الذين يعملون باستمرار مدة عشرين سنة، ما هم إلا آلة صماء، يحركها ازر في يد فرعون؛ فهم في الحقيقة ليسوا قسما من الأمة، فيكون عملهم تاريخا لها، وَإِنَّمَا هم قوَّة في سـ فرعون، وسواء كان هذا العمل الذي عملوه والجهد الذي بذلوه والجبل الذي شادوه، سواء كان ذلك عظمة ومجدا، أم مرضاً وشهوة؛ فَإِنَّهُ من تاريخ فرعون وحده، لا من تاريخ أمته.
ضربت المثل بهذه الحوادث؛ لأنني أعتقد أنها واضحة.