الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٣٩الإباضية في موكب التاريخ
237
الإباضية في ليبيا (1)
الأعلام الثلاثة
أبو يحيى سليمان بن ماطوس الشروسي، وأبو هارون موسى بن يونس الجلالمي وأبو الربيع سليمان بن زرقون النفوسي:
ثلاثة أعلام يتسابقون إلى المكارم فلا يتفاضلون ويتنافسون على بناء الأجيال لإعداد الرجال فلا يتأخر أحدهم عن أخويه ترنو الأبصار إلى الواحد منهم فلا تنحدر عنه، حاسبة أنه الغاية إلى ما لا مرمى بعدها لكمال الشخصية وصفات البطولة، فإذا علقت بزميله رأت منه ما ينسيها مظاهر العبقرية الأولى ..
جدوا وراء الدراسة حتى بلغوا الشأو الذي تقصر دونه مدارك الكثير، ولا يبلغه إلا النزر اليسير، ممن وهبتهم عناية الله مواهب تكاد تكون خارقة للعادة، ثُمَّ ركنوا للعمل .. العمل بما علموا؛ فبلغوا أيضًا الغاية التي لا يبلغها إلا النادر القليل من الأبطال الصابرين، الذين يهبون م يملكون من قوى مادية ومعنوية لأممهم.
ابن ماطوس (1) وثق المشايخ بأبي يحيى سليمان بن ماطوس، فأسندوا إليه حكم الجبل، وقبل العالم الكبير هذه المهمة كما قبلها أسلافه من قبل؛ فكان من خير من أسند إليه حكم فتولاه عن دراية وعلم وطبقه بحذق وفهم، وحل المشاكل المتشابكة بحق وعدل، وَلَمْ يشغل ابن ماطوس بهذا العبء الثقيل عن الرسالة التي خلق من أجلها، رسالة التعليم .. مدرسة ابن ماطوس من أعظم المدارس التي نشرت العلم في جَمِيع الربوع، وورد إليها الطلاب من كل مكان.
فكانت
لم يكن ابن ماطوس مجرد مدرس يلقي النظريات العلمية ويشرحها للطلاب حتى تصل إلى أذها هم، وَإِنَّمَا كان ذلك مربيا يحسن التربية وقدوة صالحة للاقتداء؛ فكانت دروسه مشبعة بروح الإسلام، وكان خلقه الكريم بين الطلاب داعيا لتهذيب النفس، وكانت سيرته القويمة مضرب الأمثال وإلى هذه الشخصية القوية في أخلاقها ودينها وكفاحها كانت غزارة
(1) ذكره أبو زكريا في الطبقة السابعة من علماء النصف الأول للقرن الرابع؛ تولى الحكم باتفاق المشايخ.