الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٣٨الإباضية في موكب التاريخ
236
الإباضية في ليبيا (1)
في الحوامد، بين "لالوت" و "كباو" فتصدى له إمام الدفاع القوي، وألحق به هزيمة أخرى شرا من الأولى، وهكذا استطاع أن يحمي حوزته، كما يحمي الأسد عرينه، رغم كثرة المعتدين ومحاولات المستغلين الذين غرتهم الدنيا، وسولت لهم أنفسهم، لقد كان رحمه الله صورة رائعة للمؤمن القوي، الحريص على إيمانه الوثيق الصلة بربه، المحب لأمته. استشهد في "تيركت" بعد أن هزم الشيعة وطردهم شر طردة - بطعنة غادرة، امتنع رحمه الله أن صاحبها، وفوض أمره إلى الله .. يسمي
واجتمع رأي المسلمين بعده على تولية أبي عبد الله بن أبي عمرو، حفيد أبي منصور؛ فقام بالأمر مدة يسيرة، لكن أهل الشورى اتفقوا عَلَى عزله وولوا مكانه أبا زكريا بن أبي يحيى الأرجاني، لاعتقادهم أنَّه أكفاً من أبي عبد الله، وأقدر على مجابهة الأحداث، ولم تطل به المدة، فقد هجمت جيوش العباسيين على الجبل، فتصدى لهم أبو زكرياء .. ووقعت مقتلة كبرى بين الفريقين، ورجع "المسودة" (جيوش بني العباس دون أن ينالوا من الجبل منالا، وعندما كان أبو زكرياء راجعا أصابته طعنة غادرة كالتي أصابت أباه، واجتمع إليه المشايخ يسألونه عن رأيه فيمن يتولى أمورهم، فأجابهم وهو يعالج سكرات الموت، ويستعد للقاء ربه: أرى لكم زيد بن أفصيت الدرفي.
وهكذا لم يألهم نصحًا حَتَّى في آخر لحظات الحياة، إنَّه موقف شبيه بموقف الفاروق ه، ومواقف المؤمنين تتشابه في الإخلاص والنصيحة للمسلمين .. إنني اختصرت الحديث عن هذين البطلين، ولم يكونا أقل علما ودينا وجدارة وخلقا من أولئك الذين تحدثت عنهم بشيء من الإسهاب والتفصيل؛ لأن هذا الكتاب ليس كتاب تاريخ يتقصى الأخبار والأحداث، وَإِنَّما هو مجموع صور لحياة أمة متمثلة في أعمال يقوم بها أفراد أو جماعات، وكثيرا ما أكتفي بصورة ما عن مجموع من الصور القريبة منها، أو المشابهة لها، ولو أردت الاستقصاء لما كفاني الزمان والجهد الذي قدرته لإخراج هذا العمل الضئيل، وهذه الصورة الباهتة التي فارقتها حياتها وجمالها عندما تناولتها بريشتي الهزيلة، وأسلوبي الضعيف.