الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٩٩

الإباضية في موكب التاريخ

297

الإباضية في ليبيا (2)

أدب يوما ثلاثة من الجناة، فغضبوا من إقامة الْحَقِّ عليهم، فدخلوا عليه متزله ليلا، وضربوه ضربا مبرحا حَتَّى أضعفوه، فلم يطق إتيان المسجد. وتخلف العالم المؤمن لأول مرة عن صلاة الجماعة وهو حاضر في البلد، وعرف المسلمون الذين يعرفون الشيخ أنه لم يحبسه عن المسجد إلا أمر كبير فزاروه في بيته، وسألوه عن أمره، فأخبرهم بما فعل به، وعندما تحدثوا في وجوب معاقبة الجناة عن هذا الجرم الفظيع، منعهم من ذلك، وتنازل عن حقه خوفا من أن يكون انتصف لنفسه، فترك القوم الذين اعتدوا عليه في عقر داره فذهبوا طلقاء - ولو أن عدل الله لَم يمهلهم - فنالوا جزاءهم عَلَى غير يد هذا المسلم القوي في لم القوي في أمر الله، الضعيف في

أمر نفسه. وكان إلى هذا الدين القويم والخلق الكريم كثير العبادة، ولعل صلاته في رحلته الطويلة تكون إحدى الشواهد على حبه للعبادة، والاتصال بربه. يذهب إلى "الجزيرة" وهى قرية عَلَى قمة شامخة في الجبل، ضاربة في الهواء، معزولة عن بقية الجبل بخندق عميق فيعتزل هنالك للعبادة أيامًا طويلة، ومكث مرة بهذه الجزيرة أربعين يوما، وكان لم يأخذ معه زادا ولا طعاما، فذهبت إليه زوجته لتتفقده، وترى حاله فوجدته مشرق الوجه، يترقرق الدم في وجنتيه، وتبدو العافية على مخايله وعندما وصل وقت الأكل مال إلى أعشاب الأرض يأكل منها حَتَّى اكتفى فقالت له الزوجة المحبة: أبهذا عشت طول هذه المدة؟ فأجاب الشيخ الزاهد العابد قائلا: "نقي قلبك وافتحي يديك، وأغلقي فاك يجعل لك الله كُلّ عود طعاما (1).

إنه أحد أولئك الناس الذين يندر وجودهم في التاريخ، لقد عاش حياة حافلة بالعمل الصالح العمل الصالح لنفسه، والعمل الصالح لأمته، والعمل الصالح لدولته، و حسبك أن تعرف أَنَّهُ قسم حياته أربعة أقسام سنة يقوم فيها بالتجارة ليكسب

1) راجع السير: 169.