الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٩٨الإباضية في موكب التاريخ
296
الإباضية في ليبيا (2)
تكون كاذبة، فلا يزيد هذا الإمام العظيم عَلَى أن يعتذر بأنه مشغول بعمل شرعي
لا يجوز تأخيره لحظة.
بما له
وقدر عظمة هذا المؤمن الذي يرد رجلا يريد أن يرفع شكوى، فلم يفتح له باب الأمير فيتضاءل أمام عينه هذا الإمام الذي يمتد سلطانه من مصر إلى مراكش من قوة ومركز؛ لأنَّهُ لَم يبادر إلى إنصاف المظلوم، وإعطاء الْحَقِّ لصاحبه، واشتغل عنه بأمر خاص له، ثُمَّ يهجم على الباب يكاد يحطمه، وعلى الإمام يسمعه قوارص العذل واللوم.
وقارن أَيُّهَا القارئ الكريم هذه الحالة بصور مؤلمة تجد فيها الآلاف من الناس تضيع حقوقهم، وهم يتزاحمون على أبواب المصالح، ومداخل الإدارات، ودور القضاء؛ لأن هذه الحقوق وضعت في أيدي أقزام مهازيل، ليس لهم من الخلق أو الدين أو الشهامة ما يحملهم على فصل تلك المشاكل، وإراحة الناس من هذا النصب المتواصل.
وعندما يجد المسلمون رجالا من الشعب لا يخافون في الله لومة لائم، ولا يرهبون في الْحَقِّ سطوة حاكم، وعندما يجد المسلمون حكاما يقدرون المسؤولية التي تحملوها للأمة، ويخضعون لسلطان الْحَقِّ، ولو تعلق هذا الحق بذواتهم، ويسارعون إلى تصريف الأعمال التي أنيطت بهم في أسرع وقت .. عندما يجد المسلمون هذا الفرد من الشعب، وهذا الفرد من ولاة الأمر؛ حينئذ يعود إلى الأمة المسلمة ما فقدته من عزة، ويحقق الله لَهُم ما وعدهم به، فيكونون خير أمة أخرجت للناس؛ لأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله؛ فلا
يحسبون لغيره حسابا.
وإلى هذه القوة في دين الله والشدة في حقوق الناس، كان رحمه الله جم التواضع، سمح النفس كريم الخلق .. وَلَعَلّ قيامه بخدمة زملائه أثناء رحلته الطويلة إحدى الشواهد على التواضع وكرم النفس، وسماحة الخلق.