الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣٢٠الإباضية في موكب التاريخ
318
الإباضية في ليبيا (2)
"الكلام كله لغو إلا مسألة في الخير، واستعاذة من الشر، وقراءة القرآن، والأمر بالمعروف ولا إله إلا الله، والله أكبر (1). المنكر، والحمد والنهي عن
الله
وطبيعي أن أبا نصر لا يقصد الحصر الحقيقي، وَإِنَّمَا يقصد أن الكلام الذي يلتحق بالعبادة، ويكون عليه أجر، لا يخرج عن هذه الوجوه، فهو إما تلاوة لكتاب الله، أو ذكر الله، أو أمر بالمعروف، أو نهي عن المنكر، وما بقى من أحاديث الناس لمصالحهم الدنيوية فهي أحاديث لا أجر عليها، ولذلك فهي في مكان اللغو، أي: كأنها لم تصدر عن صاحبها، هذا إذا لم تكن عكس الأغراض السابقة، وإلا أصبحت سببا للإثم.
بن
وأبو نصر على رحابة علمه وسعة خلقه كثير العبادة، موصول العمل، ورد عليه أبو سهل البشر محمد يطلب العلم، ولَمَّا حضر المجلس سمع أبا نصر يقول في درس من دروس الوعظ: "لن ينجو من علماء آخر الزمان إلا قدر ما يسلم من المصابيح التي رفعت من بيت إلى بيت في يوم ريح"، فَلَمَّا أصبح أتى أبو سهل إلى الشيخ للوداع، فسأله الشيخ عن السبب، فقال: "سمعتك وما ذكرت من قلة من ينجو من العلماء". قال أبو نصر: "إذا كان هذا شأن العلماء فكيف بنجاة غيرهم؟ " (2). وأقنع طالبه بضرورة الجد في طلب العلم، والحرص على العمل بمقتضى ذلك العلم، فكان عند رغبة أستاذه وأصبح من فطاحل العلماء، وعندما حضرت الوفاة أبا نصر أخذ يبكي، قيل: "ما يبكيك؟ " قال: "خوفا من الفتيا، قلت: دار" من دور" نفوسة لم تدخلها فتواي". وكان أبو الحسن المديوني يستخبر عن الطلاب الأذكياء النجباء، فيستدعيهم إليه ليدرسوا عنه، ويغترفوا من نبعه الصافي وفي أواخر أيامه -رحمه الله - بعث إلى العلامة عبد القهار بن خلف يستقدمه ليتلقى عنه علما ربَّما لا يحسن غيره فهمه، وَمِمَّا قاله في رسالته إليه: "وأحب تعجيل ذلك؛ لأني على آخر أيامي، واقتراب أجلي".
وهكذا يحرص رحمه الله أن لا يأخذ علمه معه، إنه يريد أن يترك هذا القبس، حتّى
تستضيء به الأجيال.
(1) السير: ص 299.
2) السير: ص 299.