الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣١٩الإباضية في موكب التاريخ
317
الإباضية في ليبيا (2)
كتب أبو مرادس إلى عبد الخالق يسأله عن دواء مرض ألم به، ويسأله أن يدعو
الله أن يغني
جناح
أهل الجبل بغيث عميم، فأجابه العالم الزاهد الذي يرى الدنيا كلها لا تساوي عند الله بعوضة: "إن مثلك يا أبا مرداس يسأل عن دواء الذنوب؟! وأجابه عن المطلب الثاني بقوله
(1)
تعالى: و و و بسَط الله الرزق لعباده لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَر مَا يَشَاءُ) فقال أبو مرداس: "لقا. جعلني هذا الفزاني أعض الأصابع ندماً إلى الموت (2). هذا الفزاني الذي استطاع أن يبلغ إلى ذروة العلم والتقوى وهو بين الرمال، مقطوع الصلة بالعمران، والذي استطاع أن يؤلف مجموعة من الكتب لها قيمتها في فروع العلم وأصوله هذا العالم الفزاني الذي استطاع أن يجعل أبا مرداس يعض بنان الندم طول الحياة، كتب إلى عمروس بن فتح أن يبعث إليه بكتابه في علم الكلام، ولما اطلع على الكتاب العالم الفاهم، قال في اعتراف المؤمن الصادق الصريح مع نفسه ومع الناس: "النفوسي "النفوسي أقوى مني". وهكذا يعترف أبو مرداس بما للفزاني من، علم ويعترف الفزاني بما لعمروس من العلم، وعندما يضم المجلس عمروسًا وأبا مرداس في مجلس القضاء أو الفتوى يتشدد أبو مرد خوف الترخيص، وينتهز عمروسًا حين يعتقد أنه يتساهل في بعض الأحكام.
ودرسه الع
خلف
إنها سيرة عطرة لمؤمنين صرحاء مع أنفسهم، ومع الناس. كان في مختلف بلدان "فَزَّان" عدد من العلماء الأعلام كالعلامة عبد القهار بن وإدريس الفزاني، وأبي الحسن جناو بن فتى، وعبد الحميد الفزاني وغيرهم، وقد كافح هؤلاء العلماء وأضرابهم الجهل والبدعة والانحراف، وحافظوا على دين محمد الله نقيا كما جاء عن بن عبد الله، ولَمْ يتخونه التضييع ولم تزد عليه الخرافة والبدعة. وَلَعَلِّ مِمَّا يحسن إيراده في هذا المقام، ما ورد عن أبي نصر زار التفستنى):
1) سورة الشورى: 27.
(2) راجع السير: ص 190.
3) تفست: بئر تقع شمال درج بحوالي عشرين ميلا، كانت قرية عامرة.