الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٣٢٢

الإباضية في موكب التاريخ

320

الإباضية في ليبيا (2)

هذا بالنسبة للفتيات البعيدات، أما الفتيات القريبات فقد يحضرن لتلقي العلم، ثُمَّ يرجعن إلى أهلهن، كما كانت تفعل الفتيات الساكنات في "جيطال" و"إينر" و"تيميجار" و"موساون (1)

لما رجع ابن معطير من البصرة وجد المدرسة الأولى التي أسسها عمرو بن يمكتن في "أَفَاطْمَان" قد أتت ثمارها، وتكونت فيها مجموعات من الطلبة الذين يحفظون كتاب الله أو بعضه، ويعرفون الكتابة والقراءة العربية، ويستظهرون كثيرًا من الأحاديث النبوية الشريفة، وهؤلاء الطلبة يصلحون أن يكونوا نواة لتأسيس مدارس تهتم بدراسة فنون العلم المعروفة في ذلك الحين في الأوساط الإسلامية.

لقد بدأت هذه الحركة العلمية بسيطة ساذجة في "أَفَاطْمَان"، فَلَمَّا جاء ابن مغطير توج

هذه الحركة البسيطة بتوجيهها إلى الدراسة العلمية على الطريقة التي رآها في البصرة. ورجع أولئك الطلاب الذين تعلموا القراءة والكتابة وحفظوا القرآن الكريم والحديث الشريف، وعرضوا شيئًا من سيرة الرسول الكريم إلى بلادهم، فتكونت منهم مجموعات مستعدة للتلقي، فَلَمَّا عاد حملة العلم الخمسة بعد ابن مغيطير وتفرقوا في البلاد، وجدوا استعدادًا في الناس وقابلية، فافتتح كُلّ واحد منهم مدرسة في ناحية من البلاد، كان لها أحسن الآثار، وَلَعَلَّ أنجح هذه المدارس التي كونها بعض حملة العلم هي مدارس ابن درار الغدامسي، وعاصم السدراتي، وأبي داود القبلي ثُمَّ عبد الرحمن بن رستم - بعد زمن طويل- حين انتقل إلى الجزائر، أما أبو الخطاب فقد انشغل بأحداث السياسة، ولم تطل به الحياة. إنني حين أتحدث عن المدارس في هذا التاريخ الطويل، الذي يمتد ما بين الفتح الإسلامي، والاحتلال الإيطالي، قد أطلق كلمة المدرسة على معنى أوسع مما تدل عليه اليوم في الاستعمال الجاري بين الناس، وقد يفهم بعض القراء الكرام من كلمة المدرسة نوعا معينًا من كلمة دور التعليم، يجرى على نظام خاص لا يتعداه، إنَّني بطبيعة الحال لست أقصد من المدرسة هذا المعنى الضيق فقط؛ لأنّ هذه المدرسة لم تكن موجودة في ذلك الحين في أي بلد

(1) "أمسين" تسمى اليوم "الحزبة". و"تميجار" تسمى اليوم "بوجديد" و "مرساون" تُسَمَّى "الحمران".