الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٣٢٣

الإباضية في موكب التاريخ

321

الإباضية في ليبيا (2)

من بلاد العالم، وَإِنَّمَا أقصد بكلمة المدرسة: المعنى الواسع الذي يشتق من كلمة الدراسة والتدريس، وهذا المعنى يُمكن أن يشتمل على ثلاثة مدلولات:

الأَوَّل: الدور التي أنشئت لتعليم الناشئة وتربيتهم، وتتدرج بهم من المبادئ الأولية لأنواع العلوم المعروفة في تلك الأزمنة، حتّى تنتهي بهم أو ببعضهم في مرحلة يشهد لهم فيها بأنهم بلغوا درجات معينة من العلم يستحقون من بعدها أن يسموا علماء، وأن يقوموا بالأعمال التي يقوم بها العلماء، وهذه المدارس عادة تكون ذات مناهج ومراحل وأنظمة معينة. الثاني: دروس الوعظ والإرشاد والتوجيه، التي يقوم بها بعض كبار العلماء في المساجد والمجتمعات والمناسبات، ويقصد بهذه الدروس تثقيف العامة وأشباه العامة، وتنمية معلومات أولئك الطلاب الذين درسوا بعض الدراسة، لكن ظروف الحياة حالت دون إتمامهم لدراستهم، ثُمَّ توجيه الأمة توجيها دينيا واجتماعيا صالحا، ونشر الوعي بينهم. أما المدلول الثالث: فأعني به الأثر الفكري أو الاجتماعي الذي يتركه أحد أ. نك العلماء الكبار، فيستجيب له الناس، حتَّى أولئك الذين لم يجلسوا إلى حلقته وَلَمْ يستمعوا إلى دروسه، وَإِنَّمَا وصلتهم إما عن طريق الكتب، أو الرواية، أو سريان الأفكار والآراء، وهذا النوع الأخير شبيه جدا بما نسميه اليوم بالمدارس الأدبية، أو المدارس الفلسفية، أو المدارس

الفكرية.

على أن هذا التقسيم غالبا ما يكون شكليا؛ لأن أولئك العلماء الأعلام لم يكن تأثيرهم مقصورًا على جانب من الجوانب المتقدمة، وإِنَّما يكون نشاطهم وأثرهم ظاهرا في جميع ميادين الحياة، وإنها لخطوات طبيعية للعالم في ذلك العصر أن يبدأ عمله بعد أن يتم دراسته بالتدريس للطلبة في مختلف مراحل الدراسة، حَتَّى إذا تمكن مركزه، وثبتت صلاحيته، زاد خطوة أخرى، فألقى دروس الوعظ والإرشاد والتوجيه بين الناس في اجتماعاتهم العامة، وفي مساجدهم، وفي مواسمهم. والواقع أن أولئك العلماء قد وهبوا مقدرة فائقة عَلَى توجيه الناس، توجيها روحيًا عاما، ذا أثر في الحياة، حياة الناس، سواء كان هذا التوجيه علميًا، صرفًا، أم كان توجيها اجتماعيا، أم