الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣٢٧الإباضية في موكب التاريخ
325
الإباضية في ليبيا (2)
وَلَعَلّ أعظم المدراس أثرًا في حياة الأمة، وأطولها امتدادًا مع الزمن مدرستان الأولى: مدرسة أبي المنيب مُحمَّد بن يانس، وقد درس هذا العلامة الكبير على معدن العلم أبي الزاجر إسماعيل بن درار الغدامسي، ولَمَّا أجاز له شيخه القيام بالتدريس رجع إلى جبل نفوسة وكون مدرسته العظيمة التي امتدت أنوارها الساطعة إلى القرن الحادي عشر، وتكونت لها مجموعة من الفروع في مختلف القرى والمدن، تتصل بها اتصالا وثيقا في بعض الأحيان، ورقيقا في الأحيان الأخرى .. وقد كان للجبل الذي أنشأه أبو المنيب أثر امتد مع الزمن إلى الاحتلال التركي … الثانية: مدرسة أبي عثمان سعيد بن أبي يونس الطمزيني، وقد درس هذا العلامة الكبير على الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم "بتاهرت" وقد وقع عليه اختيار الإمام إليه ولاية قنطرارة وما ولاها - "تيجي" اليوم، فكان فيها مثل ما كان أولئك الولاة الذين سبقوه والحقوه من استقامة ودين.
فأسند
بلد هذا العالم الكبير "طمزين" هذه القرية المعروفة اليوم، العامرة برجال فيهم علم وفضل. وفي هذه القرية كون العالم الكبير مدرسته التي لم تزل تشع بالعلم والثقافة والخلق والدين إلى القرن الثامن الهجري، ولا يزال بناء المدرسة إلى اليوم قائما يتحدى الزمان ويطاول التاريخ، كما أن الفرع الذي أنشأه في "تيجي" لا تزال أطلاله.
وبالإضافة إلى هاتين المدرستين اللتين امتدتا بفروعما قرون طويلة، وإلى الحركة العلمية التي أنشأها عمرو بن يمكنن في "أَفَاطْمَان" وما جاورها، وإلى الحركة الثقافية التي غذاها ابن مغطير الجناوني .. بالإضافة إلى هذه الحركات، فقد اشتهر في جبل نفوسة على الأخص عدد من المربين الذين أدوا رسالة التعليم المقدمة على خير ما تؤدى رسالة سامية .. حرصوا أن ينشأ طلابهم على الخلق الحميد، والفهم العميق لرسالة الإسلام، والاطلاع الواسع على أساس التشريع وعلى أنواع الثقافة الإنسانية في ذلك الحين، وعلى مقاصد الدين الحنيف، وتطبيق النظريات الأخلاقية في الحياة العملية .. هذا فضلا عن اتساع أفق التفكير ومدارك العقل، وغزارة العلم، وتنمية المواهب الطبيعية التي أودعها الخالق في فطرة الإنسان.