الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣٨الإباضية في موكب التاريخ
36
نشأة المذهب الإباضي مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَتَنظُر فِي النَّصْلِ فَلَا تَرَى شَيْئًا، وَتَنظُرَ فِي القِدْحِ فَلَا تَرَى شَيْئًا، وَتَتمَارَى في الفَوْقِ» (1)، فليس في أمة محمد الله أشبه شيء بهذه الرواية منهم؛ لأنهم عكسوا الشريعة قلبوها ظهرًا لبطن، وبدلوا الأسماء والأحكام؛ لأن المسلمين كانوا على عهد رسول الله يعصون ولا تجري عليهم أحكام المشركين فليت شعري فيمن نزلت الحدود، في المسلمين أو في المشركين؟ فأبطلوا الرجم والجلد والقطع، كأنهم ليسوا من أمة أحمد الأحوالت أعينهم فنظروا في المعنى الذي أمر الله به المسلمين أن يستعملوه في المشركين، من جهاد العدو والجهد في محاربتهم، فاستعملوه في المسلمين". انتهى. وقال في نفس الكتاب (2): "وَأَمَّا المارقة وهم الخوارج، فلن يخفى على عاقل بسيرة ما ساروا في أهل الإسلام، كسيرة أهل الأوثان والأصنام، كَأَنَّما بعث إليهم رسول آخر غير محمد، وقد قال رسول: «إنّ نَاسًا مِن أُمَّتِي يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهِمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ. فَتَنظُر فِي النَّصلِ فَلاَ تَرَى شَيْئًا، وَتَنظُر فِي القِدْحِ فَلَا تَرَى شَيْئًا، وَتَنظُر القَدِيدِ فَلَا تَرَى شَيْئًا، وَتَتمَارَى فِي الفَوْقِ»، وفي حديث آخر: «يَخرُجُ مِن ضنضنِي هَذَا نَاسٌ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ».
في
هذا رأي الإِبَاضِيَّة الصريح الواضح في الخوارج، وهو يتلاقى مع رأي الجمهور في التسمية، ويختلف في التعليل، فالأزارقة خوارج؛ لأنهم أخطأوا تأويل آيات الكتاب، وأدى عملهم بهذا الخطأ إلى رد آيات، وإبطال أحكام، وليسوا خوارج؛ لأنهم انفصلوا عن علي بن أبي طالب بعد التحكيم، أو لأنهم ساروا على الأمويين. إن رأي الإِبَاضِيَّة لا يقيم أي وزن للناحية الثورية في إطلاق كلمة الخوارج، ولكنهم يعللونها التعليل الديني المعقول، فكلمة الخوارج لا تطلق إلا على أولئك الذين خرجوا من الدين .. أما الخروج عن إمام، والثورة عليه مهما كانت الأسباب تلك الثورة، وذلك
(1) أخرجه الربيع في صحيحه عن أبي سعيد الخدري، (36. (المراجع)
2) الدليل، 30/ 1.
(3) الدليل: 52/ 2.