الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٣٨١

الإباضية في موكب التاريخ

379

الإباضية في ليبيا (2)

القبلة ويقف للصلاة، إنَّه لا شيء أبعث عَلَى خشوع البدن من هذا الموقف الذي يقف فيه الإنسان بين يدي ربه منفردًا لا يستشعر حركة، ولا يقف إلى جانبه حي فيصلي ما شاء الله، وقلبه معلق بالسماء، ونظره لا يمتد إلى ذراع، فتسري في هذا البدن الواقف في الظلمة قشعريرة الخوف، وقشعريرة الاطمئنان، والخوف من عذاب الله، والاطمئنان إلى رحمة الله، الله، فإذا تعود الإنسان عَلَى هذا الإحساس المنفرد الذي يجرده من علائق الحياة بقيام الليل أصبح بدنه مركزاً لهذه القشعريرة كلما وقف بين يدي ربه للعبادة، وقد علم تبارك وتعالى أثر قيام الليل على نفوس وأبدان بني الإنسان، فأوجبه على خير خلقه عليهم السلام، وقد فرضه الله لأَوَّل ما فرضه على رسوله، وعلى أصحابه الكرام واستمر ذلك الفرض سنة كاملة، وكان الرسول الله والمؤمنون حراصا على القيام بهذا الفرض حتى تورمت أقدامهم، وأصبح خشوع أبدانهم طبيعية ثابتة فيهم عندما يقفون أمام جلال الله، ثُمَّ خفف الله عنهم، وجعله تطوعًا.

وإنه لَمِمَّا يناسب هذا المقام ما قاله الأخ المسلم سيد قطب في كتابه القيم "في ظلال القرآن" (الجزء التاسع والعشرون صفحة 179: إن مغالبة هتاف النوم، وجاذبية الفراش بعد كد النهار أشد وطئًا وأجهد للبدن، ولكنَّها إعلان لسيطرة الروح، استجابة لدعوة الله، وإيثارا للإنس به، ومن ثَمَّ فَإِنَّهَا أقوم قيلا؛ لأن للذكر فيها حلاوته، وللصلاة فيها خشوعها، وللمناجاة فيها شفافيتها، وَأَنَّهَا لتسكب في القلب أنسًا وراحة وشفافية ونورا، قد لا يجدها في صلاة النهار وذكره، والله الذي خلق هذا القلب يعلم مداخله وأوتاره، ويعلم ما يتسرب إليه، وما يوقع عليه، وأي الأوقات يكون فيها أكثر تفتحاً وتَهيُّؤ، وأي الأسباب أعلق به وأشد تأثيرًا فيه".

لقد

شرح

واستعدادًا

الأستاذ السيد قطب هذه النقطة التي أشار إليها أبو الخير بما فيه الكفاية،

فإن قيام الليل أجهد للبدن، ولكنَّه إعلان لسيطرة الروح عليه .. وهل الخشوع إلا سيطرة الروح على الجوارح وتحكمها في زمام الإرادة؟.