الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣٨٠الإباضية في موكب التاريخ
378
الإباضية في ليبيا (2)
هذا رجل يشكو من قساوة قلبه فما هو العلاج؟ قال أبو الخير: إن القساوة لا تعالج إلا بعاطفة مضادة لها، وهي الْحُبُّ، وهل تبقى قساوة في قلب ممتلئ بالحب؟. وأي حب يا
ترى هذا الذي تعالج به قساوة القلوب؟
إِنَّه الحُب الذي يتسع للناس: الحُب الذي يغمر المسلمين، الحُب الذي يرتكز على الخير والفضيلة.
وشكا إليه عقلا لا يفهم فماذا قال أبو الخير؟ لقد قال: إنَّه لا يفتح مغاليق الفهم ويبعث كوامن الذكاء، مثل قراءة القرآن الكريم والتدبر في معانيه، ورياضة الذهن في محاله الفسيح، والعقل الذي تصقله الآيات من كتاب الله سوف يشع لفهم ما في الكون من الآيات والعبر وما يجري في الحياة من أعمال البشر؛ أَمَّا اللسان الذي لا يسأل، اللسان الخجول أو الكسول الذي ينعقد في فم صاحبه، فلا ينطلق لبحث المشاكل والحديث عما تكنه القلوب، هذا اللسان وصف له أبو الخير علاجًا ناجحا، لا للسان فقط، لكنَّه لجميع أمراض القلوب قال أبو الخير: إن علاج هذا اللسان هو التضرع إلى الله عند السحر، في هذا الوقت الساجي (1) الساكن الذي تهمد فيه الطبيعة، وتموت الحركة، يتجه لسان المؤمن إلى عالم الخفايا والأسرار فيبثه من حاله، ويشكو إليه سوء الحالة، ويطلبه المغفرة عما ارتكب فإذا تعود الكشف عن حاله لربه سهل عليه حينئذ أن ينطلق متحدثا مع الناس لاسيما عندما يجد أقوالا أو أعمالا لا يعرف حكمها عند الله، ولا يعرف ماذا يقول عنها لربه وهو يناجيه في السحر منفردًا. لا يلبث أن يقبل إلى أولئك الذين رزقهم الله علما وفهما يستوضحهم المشاكل،
ويستفهمهم عن التوازن.
وسأله الرجل عن علاج بدن لا يغمره الخشوع؟ فوصف له الدواء، قال أبو الخير: إن علاج البدن الذي لا يخشع إنَّما هو قيام الليل، ينهض المؤمن في وسط الليل وقد همدت الحياة في الكون وكف كُلّ شيء عن الحركة، فيتوضأ المؤمن ويحسن وضوءه، ثُمَّ يستقبل
(1) الليل الساجي: هو الراكد المظلم.