الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٤٠٤

الإباضية في موكب التاريخ

402

الإباضية في ليبيا (2)

(2)

الأصم، وقد زينت جدرانه بآيات كريمات وحكم بالغات حضرت على أحجار منحوتة، أو نقشت بألوان لا تزال زاهية، وَكُلُّ ذلك بالخط الكوفي الجميل.

على الضفة الشرقية لهذا الوادي، وفوق قمة عالية تقع القرية الصغيرة الجميلة التي تسـ الجزيرة؛ لأنها واقعة فوق جبل منفصل عن بقية الجبال من ثلاث جهات انفصالا كاملا .. أما من الجهة الرابعة فقد انفصلت عن بقية الجبال بخندق ضيق عميق شديد العمق، والخندق من صنع الطبيعة لا من صنع الإنسان، ولا يستطيع الإنسان أن يدخل إلى هذه القرية الجميلة إلا فوق معبر على هذا الخندق، وفي الليل عندما تنام القرية تنتزع المعابر عن الخندق فتأمن من الدخلاء. كانت هذه القرية معقلا من معاقل الجبل، وحصنا منيعا من حصونه التي يتركز فيها الدفاع تصان فيه الغوالي .. وقد وقعت فيها عدة أحداث تشبه أن تكون قصصا لعدد من المهاجمين الذين حاولون أن يدخلوا إلى "شروس"، كما يدخل الفأر من عنق القارورة فلا يخرج إلا أشلاء، وأحسب أنني ذكرت بعض الحوادث التاريخية المتعلقة بها في بعض الفصول السابقة .. وكما كانت مركزاً حصينا للدفاع كانت أيضا ملجأ للأخيار والصالحين، فكان الناس يقصدونها للتحصن من عدوان المعتدين أو للخلوة والإنابة إليه تعالى ومناجاته في خشوع وابتهال. وإلى شمال هذه القرية تقع قرية أخرى تسمى "أم صفار" لا تزال إلى اليوم عامرة بالسكان، وإلى غرب هاتين القريتين تقع "تنزعت" و"جريجن" و"در كل" و"بعْظُورَة" و"غَف سوف" و"دجى" و"زعرَارَة" و"تمنكرت" و"بقالة" و"مَرْجَس" و"ويغُو"، وكثير غيرها من القرى التي كانت تنبض فيها الحياة .. وبعض هذه القرى أو الخرائب المنتشرة على مسافات متقاربة كانت في يوم ليس ببعيد مدنا عظيمة عامرة بالعلم مزدهرة بالعمران تعيش فيها أمة ضربت المثل الأعلى في الاستقامة والتراهة والمحافظة على الخلق الكريم، والاستمساك بالعروة الوثقى، التي هي دين وفيها عاش طبقات من العلماء الأعلام الذين تركوا للأمة الإسلامية ثروة من العلم والفهم

والسيرة العطرة ..

الله

إنَّهَا منطقة كانت من أغنى المناطق بالمجد والعظمة المجد الحقيقي الذي ترتفع فيه نفسية

المؤمن عن أدران الدنيا، وتحرص عَلَى الكفاح في سبيل الله، الكفاح بأوسع معانيه.