الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٠٣لغير
الإباضية في موكب التاريخ
401
الإباضية في ليبيا (2)
الله قد رسخت في أنفسهم، فلم يستطع منذ ذلك اليوم أن يستعبدهم بشر حتى انقرضت
"شَرْوس"، وكانت هجمات الباغين تختنق في عنق الزجاجة، أو تتحطم على صخور الجبل. ومدينة "شروس" هذه أكبر مدن جبل نفوسة في ذلك الحين، بل إنها إحدى العواصم الكبرى المنتشرة في بلاد المغرب، وهي بموقعها في بطن الوادي تحيط بها من جميع الجهات جبال تناطح السحب، وترتفع في كبد السماء، كأنها أسوار من صنع الله وضعتها إرادة الله عال لتحصين هذه المدينة، لا ينفتح منها إلا باب ضيق إلى جهة الشمال، وصفناه فيما سبق بعنق القارورة.
لقد كانت "شروس" مركز إشعاع منذ الفتح الإسلامي، وقد امتد منها نور الإيمان والعلم
لا في جهات من ليبيا فقط، وَإِنَّمَا امتدت أنوارها منتشرة تتسع وتضيق إلى أقاصي المغرب. وقد أخرجت أعلامًا تركوا آثاراً قيمة لا تزال مقبسًا للنور إلى اليوم، وحسبها أنها كونت في الزمن المبكر للإسلام في ليبيا مدرستها الكبيرة العامرة بأقسامها الداخلية، وأنها كانت مقصدا لطلاب العلم من جميع الجهات حَتَّى ضاقت مباني المدرسة ومنازل المدينة عن السكان، فلم يجد الطلبة فيها محلات الإقامة واضطروا إلى الانتقال إلى مدارس ومدن أخرى كانت أقل شهرة منها، وإنه لمن أعاجيب الزمن أن تصبح "شروس" في ذلك التاريخ في زمن قصير جدا مقصدا لتصحيح العلوم، فيدرس الدارسون في تونس أو في الجزائر أو في أي جهة من الجهات النائية، ولكنهم لا يطمئنون إلى علمهم إلا بعد أن يردوا "شروس" ويعرضوا ما
عرفوا على ابن ماطوس فيجيزهم إن اجتازوا الامتحان، ويعودوا إلى الدراسة إن لم يوفقوا. ولقد لعب الزمن بهذه المدينة العظيمة، فذهب عنها سكانها، وانزاح عنها عمرانها، ولم يق إلا أطلال، دوارس، وإلا مسجد أبي معروف يغالب الزمن، ويصارع التاريخ، حتى أن الأجيال الأخيرة أصبحوا يطلقون اسم أبي معروف على المدينة كلها، فيقولون خربة أبي معروف، وأبو معروف هذا هو ويَّار بن جواد أحد الأعلام الذين حكموا "شَرْوَس" وما يتبعها من قرى، فأقاموا فيها منار الْحَقِّ، ورفعوا ألوية العدل، وساروا بسيرة الصالحين من أمة محمد، كان من أئمة العلم، لا يخلو كتاب من أقواله وآرائه وفتاواه، وقد كان سريع عبقريا يحل أعوص المشاكل وأعقد القضايا دون إجهاد فكر، والكتب مشحونة بأخباره .. أما المسجد الذي يعرف به فلا يزال قائما بين الأنقاض، منسق البناء، منحوت السواري من الصخر
إماما من
البديهة ذكيا