الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٠٧الإباضية في موكب التاريخ
405
الإباضية في ليبيا (2)
منها دينارًا واحدًا يحتفظ به للذكرى، حَتَّى يأتي أولئك الذين لا يفرقون بين الحلال والحرام
ليلتقطوا ما بقي في الميدان كما تأتي الذئاب لتلغ في دماء الجيف التي عفت عنها الأسود. إن أصحاب المبادئ من المحاربين يجب أن يقفوا لتحية هذا البطل العظيم كلما ذكر اسمه وإنه لقليل عليه أن يخلد اسمه في كُلّ عاصمة من العواصم الإسلامية، وليس ذلك للرفع من مقامه، فإن مقامه أسمق من أن يحتاج إلى رفعه ولكنَّهُ ليكون ذكرى وعبرة لهؤلاء الذين يحملون السيوف ويحاربون من أجل المبادئ فيما يزعمون. وفي "تندميرة" نشأ أبو زكرياء الذي حكم الجانب الأكبر من ليبيا، مستقلة على أية دولة أخرى مدة ستين سنة، فلم يكتسب منها مالا، وَلَمْ يدخر ثروة، وَإِنَّمَا كسب منها عظمة يعز نظيرها عند غيره من الحكام تطالبه زوجه بشيء من الزيت للاستصباح فيعتذر، ويرجوها أن بالحطب، ويعرض عليه أحد الأغنياء عددًا من الكباش بدلا من الغذاء فيقول له: "لو
تستصبح
سئلت
يوم القيامة حمل قرونها لأتعبني، فما بالك بها كلها؟! ". وفي "تندميرة" نشأ أبو حفص عمرو بن عيسى هذا المؤمن العالم البطل الذي كان يطارد الجهل والبدعة من ميدان إلى ميدان كما يطارد المحارب المقدام جيوش الأعداء، فلم يستقر به المقام، وَلَمْ يسترح من الكفاح حَتَّى لحق بربه. وفي "تندميرة" هذه نشأ عدد غير قليل من العلماء الذين دونت أقوالهم وسيرهم في كتب الشريعة وفي كتب التاريخ والسير. وإلى الغرب من "تندميرة" بمسافة غير طويلة، تقع مدينة "تملوشايت" هذه المدينة التي كانت تنازع "شروس" وتنافسها، والتي بلغت من العظمة في يوم من الأيام أن كانت تخاطب تونس الخضراء فتصفها بأنها قرية والقصة في ذلك مشهورة لا يزال الناس يتناقلونها من التعليقات والأخيلة التي لا تخلو منها قصة طريفة، فقد قيل: إن مزارعا تونسيا يملك مخزنا
يملك عددًا
مع شيء
من الخنازير
كبيرًا ملأه بمحصوله من الحبوب، وكان إلى جواره معمر مسيحي يملك السمان، وغفل التونسي فترك مخزنه مفتوحا فدخلت إليه ختريرة قذرة، وفي وسط الحبوب ولدت عددًا من الجراء، وسال منها عَلَى تلك الحبوب ما يسيل من الختريرة عند الولادة.