الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٤٠٨

الإباضية في موكب التاريخ

406

الإباضية في ليبيا (2)

وذهب الفلاح التونسي إلى المشهورين من علماء تونس يستفتيهم فيقلبون له أكفهم ويرجعون العلم إلى الله ورسوله إن هذه الحالة تقع لأول مرة، وَلَمْ تدون في الكتب، وهكذا طاف الرجل على أصحاب العلم في تونس الخضراء فلم يجد من يتشجع ويقول مثلا: إن الأنجاس تزال بالغسل؛ لأن الناس جميعا يستقذرون الخنازير. ولو أفتى أحد الناس بهذا لاتهم في دينه من العوام، وسمع به أحد الناس، فنصح المزارع أن يبعث بسؤاله إلى مدينة "تملوشايت" من جبل نفوسة.

وبعث الرجل، وبعد أسابيع جاءه الجواب، فقد كان في "تملوشايت" العالم الأديب الشاعر أبو نصر حاضرًا، فكتب إليه يقول: من مدينة "تملوشايت" إلى قرية تونس، وبعد الديباجة قال: "ازرعوا الحبوب النجسة تنبت زرعًا طيبا طاهراً، وهكذا عملت العبقرية على حفظ مال الرجل، والاستفادة منه، قد يحق لأبي نصر أو غيره من العلماء أن يفتوا بطهارة هذه الحبوب إذا غسلت وأزيل منها الأذى، وَلَكنَّهم يعرفون أن النفوس تستقذر الخترير وما لمسه، وأنه لا يمكن أن تؤكل هذه الحبوب ولو كانت طاهرة وحلالا، ولكن زرعها شيء معقول وغير مستقذر، وبهذه المدارك الدقيقة، وفهم أسرار النفوس وأسرار الشريعة يتفاوت العلماء، فما كُلِّ من عرف شيئًا يقوى على حل المشاكل والفتوى للناس.

وإلى الغرب من "تملوشايت" بمسافة ليست طويلة تقع قرية "طمزين" على ضفة الوادي المقابلة لـ"تملوشايت" تلك القرية التي كانت من قبل مدينة عظيمة تتصل بـ"تمصمص"، وفي هذه المدينة نشأ الرجلان العظيمان أبو يونس وسيم، وسعيد بن أبي يونس، اللذان تعاقبا عَلَى حكم "قنطرارة" "تيجي" مدة ليست بالقصيرة .. وفي هذه المدينة نشأ أبو محمد خصيب بن إبراهيم، أحد أولئك الأعلام الذين كونوا أجيالا، فقل أن تجد عالما نشأ في زمانه لم يتلق العلم عن أبي مُحمَّد، وفيها نشأ أبو نصر الذي دار جبل نفوسة أربعين دورة ليقوم برسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويلقي في المجتمعات دروس الوعظ والإرشاد. وفي أواخر أيامه فقد بصره، فلم يمنعه ذلك من الكفاح، حَتَّى الكفاح بالسيف، فكان يدخل المعارك يجالد العدو، دون أن تقذى عيناه برؤية ذلك العدو.

إن هذه المنطقة منطقة "تندميرة"، و"تملوشايت"، و"طمزين" منطقة غنية بالأباد، غنية بالعلم، غنية بالدين، وقد أنتجت تربتها الخصبة من رجال التاريخ من يَحقُّ للأمة الإسلامية

أن

تضعهم

في مصاف العظماء.