الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤١٣الإباضية في موكب التاريخ
411
الإباضية في ليبيا (2)
وإلى شمال هذه القرية عَلَى منبسط فسيح فوق قمة شامخة تقع مدينة "مزغورة" ترتفع فيها مئذنة مسجد أبي زيد ضاربة في الهواء تناطح السحب، وتبعث بتحاياها وتهمس بنجواهاء إلى مئذنة أخرى ترتفع ضاربة في الهواء من مسجد أبي يحيى في "تاردية"، وفي هذه المدينة الفسيحة التي كانت تنافس "جادو" في العظمة والمجد نشأ العلامة أبو زيد، وعاش مشغولا برسالته المقدسة في جو علمي بين طلاب أذكياء، وزملاء علماء صلحاء، فلما توفي بقيت مدرسته الفسيحة بما فيها من مخازن وأقسام داخلية مثابة لأهل العلم والفضل، وقد كان يرد إليها فطاحل العلماء من جميع الجهات ليؤدوا فيها هذا الواجب المقدس طيلة قرون متتابعة، وتعاقب عليها عدد غير قليل من كبار العلماء والمربين مثل أبي موسى الطرميسي، وأبي عزيز، وأبي ساكن، ونوح بن حازم، وغيرهم.
وتعد "مزغورة" في التاريخ الليبي من المدن العلمية التي كانت مركز إشعاع زمنا طويلا، وفي كُلّ واحد من هذه المدن الثلاثة قصة لامرأة، وقد عرفت قصة "مارن" وقصة "أمة ندباس"، أما المرأة التي أريد أن أحدثك عنها في "مزغورة" فهي من نوع آخر؛ إِنَّهَا زوجة أبي زيد، هذا العالم المؤمن، لقد ابتلي بزوجة سوء لا يسمع منها إلا الكلمة البذيئة، ولا يرى منها إلا العمل القبيح، إذا دعاها إلى الخير أعرضت عنه، وإذا أسمعها الكلمة الطيبة أسمعته الكلمة النابية واللفظة الجارحة، إذا أيقظها لصلاة الصبح دعت عليه بالسوء واستمرت في النوم، ورغم كُلّ ذلك لم يطلقها، حرص عَلَى الاحتفاظ بها خوفا من أن يُبتلى بها مؤمن آخر فلا يصبر على أذاها.
وإلى الغرب من "مزغورة" بنحو ميلين تقع "ويفات" على عنق جبل وعر متجهة إلى الشمال الغربي، وقد كانت مدينة كبيرة عامرة المساجد متراكبة المباني، تكاد تكون مع "مزغورة" ضاحية، أو امتداد شارع، وإلى الجنوب منها بنحو ثلاثة أميال تقع القرية الصغيرة "رقرق" وهي قرية صغيرة قابعة على ضفة وادي سحيق العمق ضيق، يكاد يكون عبارة عن حندق عظيم يفصل بينها وبين "توكيت". و"توكيت" مدينة عظيمة تستلقي على هضاب وشعاب تقابل "رقرق" من جهة الغرب، وقد كان لهذه المدينة في الماضي تاريخ مجيد، وإذا كان للمدن حق الافتخار بمن تعجب من