الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤١٥الإباضية في موكب التاريخ
413
الإباضية في ليبيا (2)
من
مكانها
جميلة، وقد جرى الزمن عَلَى "جادو" بمثل ما جرى به على "أرجان"، فانتقلت الفسيح المنبسط، والتجأت إلى حافة الجبل، فتجمعت في قمة منه، دائرة حول مصلى أبي
عبيدة كأنها تعتصم به من أحداث الزمان، وتضاءل عدد السكان، ووسائل العمران، صارت "جادو" بالنسبة إلى ما كانت عليه من علم وحضارة وازدهار كأنها ملخص صغير لموسوعة علمية ضخمة لم تستطع أفهام الطلاب المهازيل استيعابها، فعملت الأيدي على
اختصارها وتلخيصها.
ولقد أنجبت "جادو" من الأبطال والعلماء الأعلام ما امتلأت به بطون الكتب، وحسبها أنها كانت دار الندوة ومجتمع المشايخ للتشاور، وعقد المؤتمرات العلمية أو الاجتماعية أو
السياسية، وقد وقع عليها الاختيار لأن تحمل هذه الرسالة فحملتها في شرف وإخلاص. اتفق علماء نفوسة فاختاروا "جادو" ليبنوا فيها مسجدهم "إمسراتن"، ولعلها أول مدينة يجتمع شعب كامل على بناء مسجد فيها ليكون مسجد الشعب كله لا مسجد المدينة وحدها، وقد اشترك الجبل في البناء من أقصاه إلى أقصاه، وأدى هذا المسجد إلى الوطن ما لم يؤد أي مسجد آخر، فقد كان العلماء يقصدونه زرافات ووحدانا من كُلّ جهة، ويتذاكرون أمور الناس، ويتشاورون في وجوه الإصلاح التي يجب أن يقوم بها كُلّ واحد منهم في ناحيته، ثُمَّ كان ملتقى للثقافات، فقد كان أولئك العلماء الذين يردون إليه يقومون بإلقاء دروس متعددة، وقد يستعرضون في تلك الدروس أحوال المجتمع وما يجب أن يكون عليه، وليس ذلك فقط؛ وَإِنَّمَا كان يؤمه الطلاب الذين انتهوا من دراساتهم أو كادوا في المدارس المنتشره ويلازمونها أوقاتًا، تختلف، وذلك ليستمعوا إلى عدد من العلماء، ويأخذوا عنهم، ويناقشوهم، حَتَّى يطمئنوا إلى علمهم وكفاءتهم، فقد كانت رسالة هذا المسجد الإصلاح والتعليم بالإضافة إلى العبادة، وانحسر السكان عن موقع مسجد "إمسراتن" واندثر العمران من حوله، وبقي شامخا يروي للأجيال ما كان عليه من مجد وحضارة. ومنذ سنوات فكر بعض أهالي "جادو" في ترميم المسجد وتنادى الناس إلى إعادة بنائه، وبذلوا ما لديهم من جهد ومال ولكنهم لم يستطيعوا أن يقيموا ذلك المجد الشامخ