الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤١٦الإباضية في موكب التاريخ
414
الإباضية في ليبيا (2)
واختصروا المسجد الفسيح منه أقل من النصف وهدم الباقي، فكان عملهم هذا اخت هذا اختصارًا
هزيلا لعمل عظيم.
وقد أراد المولى الله أن يبقي حي "إمسراتن" حي العلم حَتَّى بعد أن هدم بناؤه، وانحسرت المدينة. عنه، فبنيت المدرسة إلى جنبه من الغرب ومعهد المعلمين إلى جنبه من الشرق. وإلى شمال "جادو" الحديثة، تتابع ثلاث قرى جميلة هي: "القصير"، و"أشبارى"، و"يوجلين".
وقصة هذه القرى الثلاثة قصة "جادو" و "مزو" فقد كانت تكون جانبا من مدينة
هي
عظيمة تقابل "جادو" من الشمال الشرقي، فانحسر عنها العمران وتوالى عليها العدوان، فالتجأت إلى قمة الجبل، وتحصن فلولها بالوعر، وبقيت آثارها هنالك تروى أخبار التاريخ للقرون المتعاقبة.
وتحت قرية "القصير" وفوق منتصف الجبل بقليل تنتصب قرية "تَمَوْقط" باسمة ضاحكة كأنها الوليد الذي تهدهده الأم على الصدر الحنون، أَمَّا في السفح فتضطجع "جَنَّاوَن" في استرخاء على أقدام هذا العملاق العظيم بينه وبين محرى وادي الزرقاء.
أن
وإلى الشمال الشرقي من هذه القرى بنحو أربعة أميال تقع "طرميسة" وهي اليوم تشبه تكون برجا عظيما أو ناطحة سحاب، اختار لها مؤسسوها أنف جبل شامخ يشبه أن يكون زاوية مثلث، فوضعوها عَلَى رأس الزاوية ثُمَّ اقتطعوها عن بقية الجبل بخندق حفرته أيدي الناس، فكان الدخول إليها والخروج منها لا يمكن إلا على معابر يضعونها في النهار ويزيحونها في الليل فتنام آمنة مطمئنة، إنَّهَا شديدة الشبه بالجزيرة، غير أن خندق الجزيرة حفرته عوامل الطبيعة، أما خندق "طرميسة" فقد حفرته أيدى البشر لتتحصن به من عدوان البشر. وتقع ما بين "طرميسة" و"جادو" و"أرجان" و "أدرف" منطقة كانت آهلة بالسكان، متصلة العمران، متواصلة البنيان، يقوم في كُلّ مرتفع منها مسجد أو مصلى، وفي كُلّ شعب من شعابها آثار قرية أو بقايا ضاحية، يصل بين ذلك غابة خضراء متشابكة بالزيتون، متمايلة بالنخيل، ينتشر بين ذلك شجر التين والكرم .. أَمَّا تلك المدن والقرى التي بقيت إلى اليوم تدب