الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٤٨

الإباضية في موكب التاريخ

46

نشأة المذهب الإباضي

تكون المذاهب الإسلامية

يُخيل لبعض الناس في هذا العصر أن تكوّن المذاهب الدينية شبيه بتكون الأحزاب السياسية، يجتمع عدد من الناس تحت زعامة واحد منهم ثُمَّ يضعون لهم مبادئ معينة يتفقون عليها، ويعلنونها للناس، ثُمَّ يدعون إليها، ويدافعون عنها بما لديهم من حرارة وقوة، والواقع أن الفرق بين تكوّن المذاهب الدينية والأحزاب السياسية شاسع جدا.

تتكون الأحزاب السياسية نتيجة لظروف خاصة، وفي أزمنة معينة، تقتضي المطالبة ببعض الحقوق، أو رسم الخطوط السير الدولة، فيتقدم جمهور من شـ ب أو أمة بعد الاتفاق على المبادئ إلى المطالبة بها. أَمَّا المذاهب الدينية: فتتكون تكونا تدريجيًا هادئًا في أزمنة متطاولة، حسب تولد الأفكار والآراء الجديدة في الحياة، وحسب وقوع الحوادث والأحداث، وعرضها على أصول الشريعة الثابتة القرآن والسنة والإجماع لإعطائها حكما شرعيا، سواء كانت هذه الأحكام متعلقة بالعمل أو بالاعتقاد. إننا نستطيع أن نؤرخ نشوء حزب تاريخاً زمنيًا باليوم والشهر والسنة، ولكننا لا نستطيع أن نؤرخ نشوء مذهب ديني بهذا التحديد؛ لأن تكون المذاهب إِنَّمَا ينشأ نتيجة لما تجد من أحداث، ويحدث من آراء قد تطول بينها المسافات الزمنية، تم إن هذه الآراء والأحداث التي تعرض على أصل من الأصول المعتبرة في الشرع لتعطي حكمًا معينًا، سواء تقاربت في زمنها أو تباعدت تستغرق وقتا قد يطول وقد يقصر ليدرسها المجتهد دراسة كاملة، ويعرضها على الأدلة الشرعية، ويتخذ فيها القرار الصحيح السليم، وهذا بطبيعة الحال لا يحدث في زمن واحد؛ لأن الوقائع التي تجد في الحياة سواء كانت متعلقة بالعقل أو التفكير أو العمل- لا تجمع بعضها إلى بعض ثُمَّ تعرض نفسها على عالم يعطيها الحكم المطلوب، ثم إن هذه