الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٧حين
الإباضية في موكب التاريخ
45
نشأة المذهب الإباض
وقد يكون من المناسب قبل أن أختم هذا الفصل أن أنقل مقتطفات من كلام أبي يعقوب تحدث عن افتراق الأمة، وطريقة الجمع بين قوله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَة أُخْرِجَتْ للناس (1) وحديث الافتراق سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي إِلَى ثَلاث وَسَبْعِينَ فِرقَة … » قال: «ونستظهر بما عاينا ورأينا من بلوغ هذه الأمة طرفي الأرض شرقا ومغربا، وإذ أعاذهم الله تعالى من عبادة الأوثان، واتخاذ غيره ربا من غير أن تُخل بشيء من طرق أهل الْحَقِّ، فالأصل السلامة ما خلا صنفين منها: المبتدع في دين الله، والمصرُّ على معصية الله على المباين الله؛ فهذان لا سبيل لهما إلى الْجَنَّة» (2).
ويقول في غير هذا المكان والبدع متفرقة، فكل بدعة تشرع هدم قواعد الإسلام فهي العامة الطامة التي تبلغ الرجال والعيال، وَأَمَّا التي تقصر على الأخبار ولم تجاوز إلى هدم قواعد الإسلام، كالاختلاف في أسماء الشريعة من مؤمن ومسلم وكافر وفاسق، ومشرك ومنافق، وفي القرآن والصفات، فأكثر ما تضر هذه المعاني قائلها لا سامعها، ما لم يعتقدها دينا يُدان الله تعالى به أو يقطع عذر مخالفيه من المسلمين أو يهدم به قاعدة من قواعد الإسلام هناك لا يعذر .. ومن اقتصر على قواعد الإسلام من الشهادة، والصلاة والزكاة، والصوم والحج من استطاع إليه سبيلا، فعسى وعسى .. وكذلك من كان بالثغور من أرض العدو ولم يبلغه إلا قواعد الإسلام، ولم يبلغه ما شجر بين الأُمة، ولم يفهمه؛ فإن فهم لم يقطع الشهادة عليه، والقول على الرجال، وأمَّا العيال والنسوان والبله والولدان فهم بعيدون من هذا، وكذلك أهل بلاد السودان الذين لم يبلغهم الإسلام إلا بعد الخمسمائة سنة من الهجرة، ولم يعرفوا التفرقة بين المذاهب والفرق فالرب أرأف وأرحم من أن يؤاخذ أحدا بذنب غيره، وقد قال الله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (4).
(1) سورة آل عمران: 110.
(2) الدليل والبرهان، 9/ 1.
3) سورة الأنعام: 164.
4) انظر الدليل والبرهان، 12/ 1. وتعليق أبي إسحاق على كتاب الوضع، ص 2.