الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٨٧الإباضية في موكب التاريخ
485
الإباضية في ليبيا (2)
الجيش، حتّى إذا تَمَّت المهمة ورجع الجيش منها أصبح القائد فردًا عاديا كسائر الناس، فإذا احتاجت الأمة إلى تجهيز آخر، أشار له إلى فرد آخر يتولى القيادة، وأصبح القائد الأوَّل جنديًا عاديًا، يندفع إلى الميدان لحماية الرسالة العظمى دون أن يشعر أنه أهين بعزل، أو يشعر الثاني أنه أكرم بالتولية، وهكذا في بقية الأعمال، فعندما تحتاج الأمة إلى عامل، أو قاض، أو معلم، أو إمام، أو غير ذلك، يشير رسول الله الله إلى واحد أو جماعة من أصحابه ليقوموا بذلك، وهو حين يسند إلى واحد منهم بعض تلك الأمور لا يوليهم فخرًا ليس لبقية الأمة،
ولا يعطيهم عن عملهم ذلك أجرًا ماديًا ليس لإخوانهم مثله .. ولذلك فهم لا يشعرون اختيروا أو فضلوا عن غيرهم من المسلمين، إنَّهَا مهام الأمة يجب أن يقوم بها أي فرد من أفرادها، ولا يراعي في ذلك إلا الاستعدادات الفطرية، والكفاءات العلمية والعملية، وَلَكِنَّهُم مع ذا ذلك متساوون لا تعاظم ولا أبهة، ولا ترف ولا استغلال. وليس موقف المرأة المسلمة في ذلك الحين بعيدا عن موقف الرجل في الميدان الذي هيئت لها طبيعتها الأنثوية، فهي تقف دائما حيث يطلب منها واجب المسلمة أن تقف، لا تطغى بها غرامة
القوة فتدفع الرجل عن مقامه لتقوم فيه، ولا يقعد بها الضعف إلى الاستسلام والإهمال والجهل. تتساوى مع الرجل في الحقوق والواجبات والأعمال التي ساوى فيها بينهما الدين القويم، والطبع الكريم، وتنفرد بالحقوق والواجبات والأعمال التي هي من خصائص الأنثى، وتبتعد عن الحقوق والواجبات والأعمال التي هي من خصائص الرجال. تربط بين أفراد الأسرة بنبل العاطفة، وتغمرهم بالحنان، وتملأ أرجاء البيت بالمحبة، وتعمر مساجد الله بالتقوى، وتغترف العلم من منابعه الصافية باستقامة الخلق. وقد ترافق الرجل في مواقفه العنيفة لتخفف عنه الألم، وتداوي منه الجراح، وتبعث في نفسه الحماس، وتمده بروح الجلد والقوة والكفاح وقد تساعده في عمله اليومي إذا كان ذلك لا يرهق أعصابها، ولا يزيل حجابها، ولا ينافي طبيعتها، ولا يمتص منها عناصر المحبة والعطف والحنان.
أما هذه المواقف التي تصبح فيها المرأة مشاكسة، تنازع الرجل كتفا إلى كتف، لتأخذ منه موقفه، وتقوم بعمله، فليست موجودة في ذلك المجتمع النظيف.