الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٠الإباضية في موكب التاريخ
48
نشأة المذهب الإباضي التف حول كُلّ واحد من هؤلاء الأعلام، مجموعة من الطلاب والمستمعين يعجبون بدروس أستاذهم وآرائه، ويقتنعون بحجته وبرهانه، ويعتقدون سلامة الأصول التي بني عليها أحكامه فيتجهون اتجاهه في الفكرة والعمل والمعتقد، وبراهينه، ويحاولون أن ينشروا عنه ذلك، وأن يقنعوا به الناس، أدلته ويستعملون وبهذه الطريقة تصبح لبعضهم مدرسة متميزة عن غيرها في بعض الآراء أو
المعتقدات.
ولقد كان في كُلِّ حاضرة من الحواضر الإسلامية في ذلك الحين مدارس ذات شهرة ومكانة، فقد كانت مكة والمدينة والبصرة والكوفة ومصر وعُمان ودمشق وغيرها مراكز ثقافية، تشع على العالم الإسلامي نور المعرفة والهدى، وقد كان العلماء من بقية الصحابة وكبار التابعين، أمثال عبد الله بن عباس، وعائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وجابر بن زيد، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح وغيرهم، يشغلون هذه المراكز، ويتولون
فيها نشر الثقافة الإسلامية.
ولَمَّا ذهبت هذه الطبقة الممتازة من الصحابة والتابعين خلفتهم طبقة أخرى مر تابع التابعين، وكان كُل واحد منهم متأثراً بأحد أولئك الأعلام، يترسم خطاه ويفتي بفتواه، وجاءت بعد هذه الطبقة طبقة أخرى سلكت نفس هذا السبيل، وقد كانت تجد حوادث، وتحدث آراء في زمن كُلّ طبقة من هذه الطبقات، فيدرسها المجتهدون، ويرجعونها إلى الأصول الثابتة عند كل واحد منهم، ويطول الزمن، وينتشر الجهل بالدين، فتتكون طبقة من الفقهاء الجامدين الذين يقدسون آراء الأشخاص، ويتحكمون في أعمال الناس، فيدعونهم إلى اتباع رأي معين، وتقليد إمام يرونه أعلم من غيره وأصوب حكمًا تكونت المذاهب وتعصب لها الأتباع بدون فهم، وحاربوا غيرها في عناد وإصرار وبلادة، وقلدوا أولئك الأئمة الذين وثقوا بهم تقليد عصمة وتقديس وانتسبوا إليهم انتساب فخر واعتداد.