الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥١

الإباضية في موكب التاريخ

49

نشأة المذهب الإباضي

كان نشوء المدارس الدينية والثقافية في صدر الإسلام واختلاف وجهة النظر بين المجتهدين في بعض الأصول أو الفروع دليلا على سماحة الإسلام، وانفساحه للمدارك والعقول، وعلى عدم جموده على حرفية النصوص، وعدم تحجيره على الأفهام أن تنطلق في حرية التفكير والاستنباط التي أتاحت لتلك العقول الجبارة أن تحلق في أجواء البحث والاطلاع والاستطلاع والتي أصبحت فيما بعد سببا من أسباب الشحناء والخلاف والتنابز، عندما سيطر الجهل على الناس وأعمى التعصب الجامد نور البصائر، ولعبت أهواء الحكم والسياسة بالمفاهيم الحقيقية لتعاليم الدين القويم واستعمل الطغاة والجبابرة من الحكام أطماع ضعاف النفوس والعقائد مِمَّن تثق بهم الشعوب وتكل إليهم أمر دينها، فانطمست الروح الحية، وأصبحت الحقائق الدينية والأصول التي تبنى عليها العقائد. والأعمال مظاهر جدلية للقول لا للعمل، وميدانا يتسابق فيه طلاب الشهرة العلمية للظهور لا للحق، وللناس لا الله، وأصبح الدين بعد ذلك مرفقا من مرافق الحياة، يأنس إليه الناس بحكم الإرث والعادة والإلف لا بحكم الإيمان والعقيدة والعمل، وهم يقومون بواجباتهم كما يقوم المسيحيون بطقوس الكنيسة .. ومظاهر تعودها الناس لا صلة لها بالقلب، ولا علاقة لها بالإيمان، إِنَّهَا واجبات تؤدى وحسب، يحس الإنسان راحة بعد الفراغ منها كالتي يحسها عندما ينجز أعمالا يجب عليه إنجازها. وهذه هي النكبة التي أصابت المسلمين، وباعدت بينهم وبين دينهم، وأضعفت أثر الروح التي يضفيها نور الْحَقِّ على قلوب المؤمنين، فأصبحوا لا يتقيدون في أعمالهم بالحدود التي رسمها الْحَقِّ، ولا يقفون عندما يشتبه عليهم الحلال والحرام، ولا يحاسبون أنفسهم على مسافة الله البعد بينهم وبين دين ولا يفزعون لضعف ما وقر في صدورهم من إيمان.

?