الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٩٤الأباضية في موكب التاريخ
592
أحد.
الأباضية في تونس
بين أمرين لا ثالث لَهُما إما أن يسلموا من أول الأمر، فيسمحون لأولئك الغزاة باحتلال بلادهم، وإما أن يدافعوا دون أن ينتظروا مددا من عقد العزابة اجتماعا في دار رئيسهم أبي النجاة يونس، وقد حضره شيخ الحكم أبو زكرياء السمومني، وطرح أبو النجاة موضوع احتمال غزو الأسبان لَهُم للمناقشة، ودرسوا موقفهم من كل جوانبه، واستعرضوا الحالة العامة للمسلمين في ذلك الحين، فعرفوا أنه لا أمل لَهُم في نجدة تأتي من الخارج، فإن الدولة الحفصية التي كانت تحكم تونس في ذلك الحين، وكان يتولى إمارتها أبو عبد الله أحمد الحفصي، كانت أضعف من أن تنجد جربة، وأضعف من المال، أما البلدان المجاورة التي كان يحتمل أن تهب لنصرة الإخوة في الدين،
بغير جمع
أن تهتم
من
فقد أتى عليها الخلاف القبلي، والتعصب المذهبي، والفتن الداخلية، حتى بلغت حالة الضعف والانهيار لا يُمكن معها أن تنجد أحدا ولا أن تهتم بقضية دين، أما جبل نفوسة فقد كان حينئذ مضطرا للاحتفاظ بجميع قواه ليحافظ على نفسه من الغارات المتوالية التي يشنها على أطرافه في كل يوم ناس كانوا يعيشون على النهب والسلب. وهكذا درس القوم الموضوع، وعلموا أنه لن ينجدهم أحد لو وقع عليهم عدوان من قراصنة الأسبان، وهنا في مثل هذا الموقف تبرز خصائص الإيمان والزعامة، ويمتاز الرجال بعضهم عن بعض، وظهر أبو النجاة بخصائص العالم الْمُؤمِن الشجاع، فقد علم أن الجزيرة لا يُمكن أن تعتمد على مدد من الخارج، فلم يبق لديه إلا القوة الموجودة في الجزيرة، وعليه أن يكون منها قوة يستطيع أن يدفع بها عدوان المعتدين.
وقد فكر قبل كل شيء أن يستثير الناحية الروحية في الناس، وأن يملأ قلوبهم بالإيمان، ونفوسهم بالثقة بالله، وألا يترك للخوف واليأس سبيلا إليهم، فجعل يحبب إليهم الاستشهاد، ويثير في نفوسهم الرغبة في الدفاع عن الدين والوطن، ولكي يؤكد هذا المعنى في أذهانهم، ويجعل منهم قوة متماسكة مندفعة في سبيل الله، قال لهم: "ليس بيننا وبين النصارى إلا أمران نجعلهما حجابا وسترا: